-الآية 28، والآية 29: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ} يعني: فإذا عَلَوْتَ السفينةَ واستقرَرْتَ عليها - أنت ومَن معك (آمِنينَ من الغرق) : {فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} {وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا} أي: يَسِّر لي النزول المبارك الآمن، {وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} أي خيرُ مَن يُنزِلُ الناسَ في المكان الطيب المبارك.
? ويُلاحَظ أنّ الله تعالى قال: {وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} ، ولم يقل: (وأنت وحدك المُنزِل) ، لأنه قد يوجد مَن يُنزِلُ شخصًا في مكانٍ مُريح (كأنْ يُسكِنه في بيتٍ مُريح، أو أن يَستقبله ضيفًا عليه أو غير ذلك) ، إذًا فالعبد يُنزل، واللهُ تعالى يُنزِل، ولكنّ اللهَ سبحانه هو خيرُ المُنزِلين.
-الآية 30: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ} : يعني إنّ في إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين لَدلالاتٍ واضحاتٍ على صِدق الرُسُل فيما جاؤوا به، {وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} يعني: ولقد كنا مُختبرينَ الأمم بإرسال الرُسُل إليهم قبل نزول العقوبة بهم.
-الآية 31، والآية 32: {ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ} أي أنشأنا جيلًا آخر بعد قوم نوح (وهُم هنا قوم عاد، على الراجح من أقوال العلماء) ، {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ} - وهو هود عليه السلام - فأمَرَهم {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ} وحده، فـ {مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ} يَستحق العبادة {غَيْرُهُ} {أَفَلَا تَتَّقُونَ} ؟! يعني أفلا تخافونَ عقاب اللهِ إذا عبدتم معه غيره؟!
? واعلم أنّ اللهَ تعالى قال: {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ} ولم يقل: (فَأَرْسَلْنَا إليهِمْ) ، لأنّ هودًا عليه السلام كان مِن أهل قريتهم، أما عندما أخبر تعالى عن موسى وفرعون فإنه قال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ*إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} ، لأنّ موسى عليه السلام لم يكن منهم، واللهُ أعلم.
-من الآية 33 إلى الآية 38: {وَقَالَ الْمَلَأُ} وهم السادةُ والأشرافُ {مِنْ قَوْمِهِ} {الَّذِينَ كَفَرُوا} بوحدانية اللهِ تعالى {وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ} {وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي طَغَوا بما أَنعم اللهُ عليهم في الدنيا من تَرَف العيش، فهؤلاء قالوا لقومهم ليَصُدّوهم عن الإيمان بهُود عليه السلام: {مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} (أي لا فرقَ بينكم وبينه، فكيف تَرضون أن يكون سَيّدًا عليكم يأمركم وينهاكم؟!) ، {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} (أي ستَخسرون مَكانتكم بسبب اتِّباعكم له وترْكِكم لآلهتكم) ، {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ} مِن قبوركم أحياء؟ كيف تُصَدِّقون هذا؟! {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} أي بعيدٌ حقًا ما يَعِدكم به، {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} : أي ما حياتنا إلا في هذه الدنيا، {نَمُوتُ وَنَحْيَا} أي جيلٌ يموت وجيلٌ يَحيا، فيموت الآباءُ مِنّا ويَحيا الأبناء {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} بعد الموت، {إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ} أي: ما هذا إلا رجلٌ قد اختلق على اللهِ كذبًا، ولَسنا بمُصَدِّقينَ ما قاله لنا.