-الآية 83، والآية 84: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى} ؟ (يُخبر تعالى أنه سأل موسى عليه السلام - وهو أعلم:(ما الذي جعلك تترك قومك يا موسى وتأتي قبلهم؟) ، (وقد كان هذا بعد أن نَجّى اللهُ بني إسرائيل من فرعون وجنوده، فأمَرَ اللهُ موسى أن يأتي مع بني إسرائيل إلى جبل الطور - وهم في طريقهم إلى أرض القدس - لإنزال التوراة، ولكنّ موسى استعجل في المسير إلى الموعد، فاستخلف أخاه هارون على بني إسرائيل، ليسير بهم ببطء حتى يلحقوا بموسى عند جبل الطور) .
? واعلم أنّ اللهَ سبحانه قد سأل موسى عن سبب استعجاله؛ ليُخبره بما جرى لقومه مِن بعده، فـ {قَالَ} موسى - مُجِيبًا ربه سبحانه وتعالى: {هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي} : يعني إنهم ليسوا ببعيدينَ مِنِّي، وسوف يَلحقونَ بي، {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} أي: واستعجلتُ المجئ إليك ربي، طلبًا لرضاك عني.
? وفي هذا دليل على مشروعية طلب رضا اللهِ تعالى، ولكنْ بما شَرَعه الله، لأنّ اللهَ تعالى لم يأمر موسى بهذا الاستعجال، ولم يأمره بترك قومه وراءه، ولذلك تَرَتَّبَ على استعجال موسى شَرٌ كبير، كما سيأتي.
-الآية 85، والآية 86: {قَالَ} اللهُ لموسى: {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ} أي اختبرنا قومك بعد فِراقك لهم، {وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ} بصُنع العجل ودَعْوتهم إلى عبادته وترْك المسير ورائك.
? وانتهت المُناجاة، وأعطى اللهُ الألواح التي فيها التوراة لموسى، {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ} عليهم، {أَسِفًا} أي شديد الحزن على فِعلهم، فـ {قَالَ} لهم: {يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا} بإنزال التوراة (التي فيها نظام حياتكم وشريعة ربكم، لتَسعدوا بها في الدنيا والآخرة) ؟ {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ} ؟! يعني هل استبطأتم وَعْدَ ربكم، فلم تُتِمّوا ميعاده الذي حَدَّدَهُ لكم، وبدَّلتم دينه وعبدتم العجل؟!، {أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ} - بسبب هذا الفعل القبيح - {فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي} بترْككم المجيء بعدي وعبادة العجل؟!
-من الآية 87 إلى الآية 91: {قَالُوا} : {مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} أي لم يكن ذلك بإرادتنا واختيارنا، وما تجرّأنا على فِعل ذلك {وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا} أي حَمَلنا معنا - مِن مصر - {أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ} أي أثقالا مِن ذهب وحُليِّ قوم فرعون - وهو الذهب الذي استعاره نساء بني إسرائيل من جاراتهنّ المِصريات، بقصد الفرار به - فشَعَرنا بالذنب مِمّا فعلناه وأردنا التخلص منه {فَقَذَفْنَاهَا} في حفرة فيها نار بأمر السامري، (لأن السامري قال لنساء بني إسرائيل:(هذا الذهب الذي عندكنّ لا يَحِلّ لَكُنَّ أخْذه) ، ثم حَفَرَ لهنّ حفرة، وأوقد فيها النار، وأمَرَهنّ أن يُلقوا فيها الذهب للتخلص منه، وهو في نيّته أن يَصُوغ الذهب ليَصنع منه العِجل)، {فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ} يعني: فكما ألقينا الذهب في الحفرة، فكذلك ألقى السامري التراب الذي أخَذَه من تحت حافر فرس جبريل عليه السلام، فألقاهُ على الذهب {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ} : أي فصنع لبني إسرائيل عجلًا له جسم من الذهب، وله صوت كخُوار البقر (فتنةً واختبارًا مِن الله تعالى لهم) ، {فَقَالُوا} أي قال المفتونون به منهم للآخرين: {هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى} {فَنَسِيَ} أي قد نَسِيَهُ موسى وأخطأ الطريق