الصفحة 14 من 17

لَنُلقِيَنّ به في البحر - بعد أن نحرقه - حتى لا يُعثَر له على أثر، (وذلك لأنّ قلوب بني إسرائيل كانت متعلقة بعبادة العجل، فأراد موسى عليه السلام إتلافه وحَرْقه وهم يَنظرون إليه، ليزول ما في قلوبهم مِن حُبِّه كما زالَ شَخْصه، ولأنّ في إبقائه فتنة) .

? ثم قال موسى للذين عبدوا العجل: {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ} الحق - الذي تجب له العبادة والطاعة - هو {اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} أي الذي لا معبودَ بحقٍ إلا هو، {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} : أي وَسِعَ عِلمه كل شيء، (وفي هذا ردٌّ على السامري الذي عَبَدَ جمادًا لا يَعلَم شيئًا ولا يَقدر على شيئ) .

-من الآية 99 إلى الآية 104: {كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ} : يعني كما قصصنا عليك - أيها الرسول - خبر موسى وفرعون وقومهما، فكذلك نُخبرك بأخبار السابقينَ لك، {وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} يعني: وقد أعطيناك مِن عندنا ذِكرى وموعظةً للناس، وهو هذا القرآن العظيم، الذي {مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ} فلم يُصَدِّق به، ولم يَعمل بما فيه: {فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا} : يعني فإنه يأتي ربه يوم القيامة يَحمل إثمًا عظيمًا {خَالِدِينَ فِيهِ} أي خالدين في ذلك الوزر في النار، حيثُ تُلقَى معهم ذنوبهم في النار، {وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا} : يعني وقَبُحَ ذلك الحِمل الثقيل من الذنوب، حيثُ أدخلهم النار يوم القيامة {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ} أي: يوم يَنفُخ الملَكُ في"البوق"لصيحة البعث، {وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا} : أي ونَسُوقُ الكافرين في ذلك اليوم وهم زُرق العيون، سُود الوجوه (وذلك من شدة الأحداث والأهوال) ، وهم {يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ} أي يَتهامسون فيما بينهم من شدة الخوف، فيقولون: {إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا} : أي ما مكثتم في الحياة الدنيا إلا عشرة أيام، {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ} سرًا فيما بينهم {إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً} أي يقول أعلمهم وأرجحهم عقلًا في الدنيا: {إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا} : أي ما مكثتم في الحياة الدنيا إلا يومًا واحدًا (وذلك لقِصَر مدة الدنيا في نفوسهم يوم القيامة) .

? واعلم أنه لا تعارُض بين قول اللهِ تعالى - حكايةً عن المجرمين: {إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا} ، وبين قوله تعالى: {إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا} ، وبين قوله تعالى: {يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} ، وبين قوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} ، وذلك لأنّ فترة بقاء المجرمين في الدنيا لم تكن ساعة ولا يومًا ولا عشرًا، ولكنهم عَبَّروا عن ذلك مُقارنةً بطول الوقوف يوم القيامة، ولقِصَر فترة تمتُّعهم في الدنيا، وإنما اضطربت أقوالهم لهَول الصدمة، فكُل واحدٍ منهم قد وَصَفَ الحالة التي يَشعر بها.

-من الآية 105 إلى الآية 110: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ} : أي يسألك قومك - أيها الرسول - عن مصير الجبال يوم القيامة، {فَقُلْ} لهم: {يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا} : أي يَقتلعها ربِّي من أماكنها ويُفَتِّتها، ثم تُفَرِّقها الرياح، {فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا} : أي فيَترك أماكن الجبال - بعد أن نُسِفَت - مستوية ملساء {لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا} أي انخفاضًا {وَلَا أَمْتًا} أي: ولا ارتفاعًا (وذلك بسبب استوائها) .

{يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ} أي: في ذلك اليوم يتَّبع الناس صوت المَلَك الذي يدعوهم إلى الحساب، {لَا عِوَجَ لَهُ} : أي لا يستطيعون الهروب من دعوة الداعي، {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ} : أي وسكنتْ الأصوات خضوعًا للرحمن {فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} أي فلا تسمع منها إلا صوتًا خفيًا، {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ} أحدًا من الخلق {إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} : يعني إلا إذا أَذِنَ الرحمنُ للشافع، ورَضِيَ عن قوله وشفاعته إكرامًا له (ولا تكون الشفاعة إلا للمؤمن المُخلِص) ، ففي الحديث أنّ اللهَ تعالى يقول يوم القيامة: (أخرِجوا من النار مَن قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يَزِن ذَرَّة) (انظر صحيح الترمذي ج 4/ 711) ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت