? واعلم أن الفتنة هي اضطراب المرء في فترة حياته، وتُطلََق أيضًا على الشِّرك، كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي حتى لا يكون هناك شِركٌ بالله تعالى.
? وقال اللهُ له: {اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ} هارون {بِآَيَاتِي} الدالة على توحيدي وكمال قدرتي وصِدق رسالتك (وهي العصا واليد) ، {وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي} أي: ولا تَضْعُفا عن مُداومة ذكري (فإنّ فيه عَونكما على أداء رسالتكما) ، {اذْهَبَا} معًا {إِلَى فِرْعَوْنَ} فـ {إِنَّهُ طَغَى} أي تجاوَزَ الحد في الكفر والظلم، {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا} أي قولا لطيفًا خاليًا من الغِلظة والعنف {لَعَلَّهُ} بسبب القول اللين {يَتَذَكَّرُ} ما يَنفعه فيفعله {أَوْ يَخْشَى} ما يَضُرُّه فيتركه، وبالتالي يَتوب ويُسلِم للهِ تعالى، ويُرسِل معكما بني إسرائيل، (فسبحانَ اللهِ العظيم، إذا كانَ اللهُ تعالى قد أمَرَهما أن يَدعُوا فرعون الكافر بالرفق واللِّين، فما بالنا بدعوة المسلمين إلى التوبة والاستقامة كيف ينبغي أن تكون؟) .
-الآية 45: {قَالَا} أي قال موسى وهارون - بعد أنْ تقابلا: {رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا} أي نخاف أن يُعاجلنا فرعون بالعقوبة قبل أن نَدعوه ونُبَيِّن له، {أَوْ أَنْ يَطْغَى} : يعني أو أن يَتمرد على الحق فلا يَقبله، ويزداد طغيانا وظلمًا.
-الآية 46، والآية 47، والآية 48: {قَالَ} اللهُ لموسى وهارون: {لَا تَخَافَا} من فرعون، فـ {إِنَّنِي مَعَكُمَا} بحِفظي ونصري {أَسْمَعُ} ما تقولانه لفرعون وما يقوله لكما {وَأَرَى} ما تفعلانه معه وما يفعله معكما، فلذلك سأحفظكما (بمَنع حدوث أيّ فِعل تخافان منه) ، {فَأْتِيَاهُ} أي فاذهبا إليه إذًا ولا تخافا، {فَقُولَا} له: {إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ} : يعني إننا رسولان إليك من ربك، وقد أرسَلَنا إليك لتؤمن به وتُوحِّده، وتُرسِل معنا بني إسرائيل لنَذهب بهم إلى حيث أمَرَنا اللهُ تعالى (إلى أرض أبيهم إبراهيم) ، {فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} أي أطلِق سَراحهم {وَلَا تُعَذِّبْهُمْ} أي: ولا تُكلِّفهم ما لا يَطيقون من الأعمال، فإننا {قَدْ جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ} أي معجزة {مِنْ رَبِّكَ} تدل على صِدقنا في دَعْوتنا، {وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} أي: واعلم أنّ السلامةَ من عذاب الله لمن آمَنَ به واتَّبع هداه.
? فاتَّبِع الهدى تَسلم، وإلاّ فأنت مُعرَّض للمَخاوف والهلاك والدمار، فـ {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} : يعني إنّ ربك قد أوحى إلينا أنّ عذابه على مَن كَذَّبَ برسالته، وأعرَضَ عن قبول دَعْوته.
-الآية 49: {قَالَ} فرعون لهما: {فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى} ؟، (ولَعَلّ فرعون ذَكَرَ موسى فقط ليُذَكِّره بنعمة تربيته في بيته، واللهُ أعلم) .
-من الآية 50 إلى الآية 55: {قَالَ} له موسى: {رَبُّنَا} هو {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ} أي خَلْقه اللائق به على أحسن صُنعٍ {ثُمَّ هَدَى} أي: ثم أرشَدَ كل مخلوق إلى الانتفاع بما خلقه اللهُ له (وهنا قد أفحَمَ موسى فرعون وقطع حُجَّته، بما ألهَمَه اللهُ مِن عِلمٍ وبيان) ، فـ {قَالَ} فرعون لموسى - ليَصرفه عن تلك الحُجَج خوفًا من الهزيمة أمام مَلَئه: {فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى} ؟ يعني فما شأن الأمم الماضية التي سبقتْنا إلى الإنكار (كقوم نوح وعاد وثمود) ؟
? فعرف موسى أنّ فرعون يريد أن يَصرفه عن الحقيقة، فـ {قَالَ} له: {عِلْمُهَا} : أي: عِلْمُ تلك الأمم - فيما فَعَلَت - {عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ} وهو اللوح المحفوظ، وسيَجزيهم سبحانه بأعمالهم، فإنه {لَا يَضِلُّ رَبِّي} أي لا يُخطئ في أفعاله وأحكامه على عباده {وَلَا يَنْسَى} شيئًا من أفعالهم، إذ أفعاله سبحانه تدور بين العدل والفضل والحكمة.
? ثم عادَ موسى يُذَكِّر فرعون بقضية الخَلق، ليَستدل بها على توحيد اللهِ تعالى، فقال: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا} أي جَعَلها مُيَسَّرةً لكم للانتفاع بها - في الزراعة وغير ذلك - وللانتفاع بما عليها من المخلوقات {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا} :