الصفحة 30 من 30

ومن فصاحة القرآن ما ذكره الإمام القرطبي من أن الله أنبأ عن قصص الأولين والآخرين، ومآل المترفين، وعواقب المهلكين، في شطر آية وذلك في قوله تعالى: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40] .

وحديثي عن الطوفان في عهد نوح - عليه السلام - في معرض تناول أحداث زلزال المحيط الهندي ليس الهدف منه عقد مقارنة بين الطوفان وأمواج المحيط العاتية التي دمرت سواحل بلدان عديدة، وإنما الهدف أخذ العبرة والعظة من الحدثين.

نعم، هناك اختلاف بين بينهما، ففي طوفان نوح أغرق الله الكافرين جميعًا، ونجَّى نوح ومن آمن معه، أما موجات السونامي الأخيرة، فقد هلك فيه كافرون ومسلمون، وطوفان نوح كانت له علامة يعرف منها وقت الطوفان، وهي فوران التنور، أما سونامي المحيط الهادي، فقد جاءت بغتة مع الزلزال الذي جاء أيضًا فجأة، وفي زلزال نوح طغى الماء فوق سطح الأرض بسهولها وجبالها، أما الأمواج المحيطية العاتية الأخيرة، فقد علت فوق بعض المناطق الساحلية والجزر المحيطية لارتفاع أقصاه خمسة عشر مترًا.

طوفان نوح استمر لقرابة ستة شهور كما يذكر الكثير من المفسرين، أما سونامي زلزال المحيط الهندي، فقد استمر لعدة أيام خفت شدته من وقت لآخر ومن مكان لآخر.

السونامي الأخير نشأ من كسر محدد في الغلاف الصخري في مكان محدد، نشأ عنه زلزال محدد بقدر الله، أما في طوفان نوح، فالتقى الماء المنهمر من السماع مع ماء عيون الأرض على أمر قدره الله.

وهنا نردد معًا بصوت مسموع وعقل مفتوح قصة الهلاك والنجاة بنفس الوسيلة، هلاك الكافرين بالغرق، ونجاة نوح والمؤمنين من أهله وقومه في السفينة التي كانت تمشي في موج كالجبال.

نقرأ معًا وصف القرآن عن ذلك الحدث العظيم في سورة هود؛ حيث يقول تعالى:

وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ * وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ * حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ * وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت