الصفحة 14 من 26

وتقدم لنا مقامات"الهمذاني"صورة حية عن مجتمعها الذي نبتت فيه، فكان خير معبر عن ذلك العصر الذي اضطربت فيه الأخلاق والسلوك والدول والأفراد والجماعات، إذ تقدم هذه المقامات صورة بانورامية لمجتمع فيه كل المتناقضات كما يلي:

-مقاطع من حياة المجون والسكر والعربدة، كما في المقلمة الخمرية.

-صورة لمحدثي النعمة، والانتهازيين، كما في المقامة المضيرية.

-صورة شاملة ومرعبة لفساد القضاء والقضاة، كما في المقامة النيسابورية.

إلا أن"الهمذاني"يخرج من هذه المواضيع كلها ليدخل في مواضيع أخرى كانت بالنسبة إليه مهمة، فرضتها ظروف حياته، من جهة، وظروف كونه كاتبًا ومثقفًا ومناظرًا وعالمًا، من جهة أخرى، لهذا كانت هناك موضوعات أخرى فرضت نفسها في تلك المقامات كانت على النحو التالي:

1 -المديح:

إذ إن"الهمذاني"ولأسباب حياتية - بما عرف عنه من تنقل وترحال بين الدول - كتب ست مقامات في مديح"خلف بن أحمد"، والي سجستان التي أمضى فيها حوال سنتين من عمره، وفي هذه المقامات الست بالغ وأطنب في ذكر محاسن هذا الرجل، ففي المقامة الملوكية، يتجاوز"الهمذاني"كل الملوك السابقين ليصل إلى القول عنه:"الذهب أيسر ما يهب، والألِفُ لا يعمه إلا الخَلْف، وهذا جبل الكحل قد أضر به الميل، فكيف لا يُؤثِّر ذلك العطاء الجزيل ..." [1] ، وتعلق الدكتورة"أحلام الزعيم"على هذا القول بأن النثر في القرن الرابع الهجري صار يزاحم الشعر في كيل المديح ونظمه، وأن ذلك آذن"بانهدام الحواجز بين الشعر والنثر" [2] .

(1) 18 - محمد عبده، مقامات أبي الفضل بديع الزمان الهمذاني وشرحها، المقامة الملوكية، ص 236 - 237).

(2) - د. أحلام الزعيم، قراءات في الأدب العباسي في الحركة النثرية، ص 44

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت