وروى نافع قال: أُتيَ ابنُ عمر ببضعةٍ وعشرين ألفًا، فما قام من مجلسه حتى أعطاها، وزاد عليها، قال: لم يزل يُعطي حتى أنفذ ما كان عنده، فجاءه بعض من كان يُعطيه، فاستقرض من بعض مَن كان أعطاه فأعطاه!
وروى نافع أن ابن عمر كان لا يكاد يتعشَّى وحده.
قال نافع: كان ابنُ عمر إذا اشتدَّ عَجَبُه بشيء من ماله قرَّبه لربِّه، واشتهى مرة حوتًا، فشَوَوْها له ووضَعوها بين يديه، فجاء سائل، فأمر بالحوت فدُفِعَت إليه!
قال ابن سيرين: كان أهل الصُّفَّة إذا أمسَوا انطلق الرجل بالواحد، والرجل بالاثنين، والرجل بالجماعة، فأما سعد بن معاذ فكان ينطلق بثمانين!
وروى الدارقطني في كتابه الأسخياء من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال: كان منادي سعد بن معاذ ينادي بمكان عالٍ في المدينة: من كان يريد شحمًا ولحمًا، فليأتِ سعدًا، وكان سعد يقول: اللهم هَبْ لي مجدًا، لا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال، اللهم إنه لا يُصلِحني القليلُ، ولا أصلُحُ عليه.
وعن بَرزة بنت رافع قالت: لما خرج العطاء أرسل عمر إلى زينبَ بنت جَحْش بالذي لها، فلما أُدخل عليها قالت: غَفَرَ الله لعمر، غيري من أخواتي كان أقوى على قسم هذا مني، قالوا: هذا كلُّه لكِ، قالت: سبحان الله! فقالت: صُبُّوه واطرحوا عليه ثوبًا، ثم قالت لي: أدخلي يدك فاقبضي منه قبضة فاذهبي بها إلى بني فلان، وبني فلان، من أهل رَحِمها وأيتامها، حتى بقيت بقيَّة تحت الثوب، فقالت لها برزة بنت رافع: غَفَرَ الله لكِ يا أمَّ المؤمنين! والله لقد كان لنا في هذا حقٌّ، فقالت: فلكم ما تحت الثوب، فوجدنا تحته خمسةً وثمانين درهًما.
وروى البخاري ومسلم عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة: أنَّه سمع أنس بن مالك يقول: كان أبو طَلْحَة أكثرَ أنصاريٍّ بالمدينة مالًا، وكان أحبَّ أمواله إليه بيرحى، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخُلها ويشرب مِن ماءٍ فيها طيِّبٍ، قال أنسٌ: فلمَّا نزلت هذه الآية: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] ، قام أبو طَلْحَة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنَّ الله يقول في كتابه: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] ، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بيرحى، وإنَّها صدقةٌ لله، أرجو برَّها وذُخرَها عند الله، فضَعْها يا رسول الله حيث شئتَ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( بخٍ، ذلك مالٌ رابحٌ، ذلك مالٌ رابحٌ، قد سمعتُ ما قلتَ فيها، وإنِّي أرى أن تجعَلَها في الأقربين ) )، فقسمها أبو طَلْحَة في أقاربه وبني عمِّه.
ومَرِض قيس بن سعد بن عبادة، فاستبطأ إخوانه، فقيل له: إنَّهم يستحيون ممَّا لك عليهم مِن الدَّيْن! فقال: أخزى اللهُ مالًا يمنَعُ الإخوانَ مِن الزِّيارة، ثمَّ أمر مناديًا فنادى: مَن كان عليه لقيس بن سعد حقٌّ، فهو منه بريء، قال: فانكسَرَتْ درجتُه بالعشي؛ لكثرة مَن زاره وعاده!