الصفحة 8 من 26

سورة البلد ذكَر الله فيها حال الأغنياء المتكبرين المسرفين، والأغنياء الصالحين المحسنين، وفيها حث الأغنياء على إنفاق أموالهم في عظائم القُرَب، التي لا تستطاع إلا ببذل الأموال الكثيرة، وخلال نظري في كثير مِن التفاسير وجدتُ أكثر المفسرين لم يبرز هذا المقصد العظيم لهذه السورة، مع أن هذا المقصد واضح، كما سيأتي توضيحه، وآيات السورة متناسبة في بيانه، فلنتدبر هذه السورة العظيمة:

يقول الله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} [البلد: 1، 2] أقسم الله بهذا البلد الحرام، وهو (مكة) ، و (لا) هذه صلة للتأكيد، وليست نافية، وأنت - أيها النبيُّ - حلال في هذا (البلد الحرام) تصنع فيه ما شئت، ولم يحلَّ له إلا ساعة من نهار في فتح مكة، ففي الآية بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم بفتح (مكة) على يده، وحِلِّها له في القتال، وقيل: المعنى: أُقسم بهذا البلد حال كونك حالاًّ فيه؛ أي: مقيمًا فيه؛ لأن حلول النبي صلى الله عليه وسلم في مكة وإقامته فيها يزيدها شرفًا إلى شرفها.

قوله سبحانه: {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 3، 4] ، وأقسم الله بكل والد وما ولد، ويدخل في هذا والدُ البشرية آدم عليه السلام، وما تناسل منه من ولد، بل ويعم هذا القسم كل والد وما ولد حتى من الحيوانات.

وجواب القسم هو: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 4] ؛ أي: في تعَبٍ وشدة وعناء من مكابدة الدنيا؛ فكل إنسان يخرج من تعبٍ إلى تَعَب، فلا أحد يسلم من التعب في هذه الدنيا منذ خروجه من بطن أمه إلى وفاته، فيكابد ضغطة الخروج من بطن أمه، ثم يكابد قطع حبل سرَّته، ثم إذا قُمِّط يكابد الضيق والتعب، ويكابد الارتضاع، ولو فاته لضاع، ثم يكابد الخِتان، ويكابد الأوجاع والأمراض، ثم يكابد نباتَ أسنانه، ثم يكابد الفِطام، ثم يكابد المعلم وصولته، والمؤدِّب وشدته، ثم يكابد شغل التزويج والتعجيل فيه، ثم يكابد شغل الأولاد، ويكابد بناء السكن وطلب الأرزاق، وإن كانت أنثى تكابد آلام الحيض وثقل الحمل وشدة الولادة، ثم تكابد الرَّضاع والتربية، وتكابد أعمال البيت والقيام بحقوق الزوج، ولا يسلم أحد طوال حياته من الأمراض والأحزان، ثم إن طال عمره أصابه الكِبَر والهَرَم، ولازمه الضعف والوهن، ثم عند الموت يكابد السكرات، فما دمتَ في هذه الدار فلا تسلم من الأكدار، سواء كنت غنيًّا أو فقيرًا، من الولادة حتى الوفاة!

وفي تفسير هذه الآية قول آخر، وهو أن معنى قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 4] ؛ أي: منتصبَ القامة مستويًا؛ فقد خلق الله الإنسان منتصبًا، يمشي على رِجلين، وهذه نعمة جليلة ميَّز

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت