الله بها البشر، فتكون هذه الآية كقوله تعالى: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 1 - 4] ، وكلا المعنيينِ صحيح.
قوله سبحانه: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ} [البلد: 5] ؛ أي: أيظُن هذا الغني بما جمعه من مال أن الله الأحدَ لن يقدر عليه؟ فالأحد هو الله؛ كما قال سبحانه: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ، فهذا الغني لم يعرف حقيقة الدنيا، وأنها تعَب ومشقة، فلم يغتنِمْ حياته قبل موته، ولا شبابه قبل هَرَمِه، ولا صحته قبل سقَمه، ولا فراغه قبل شُغله، ولا غناه قبل فقره، بل يفتخر ببذل الأموال في غير طاعة الرحمن!
يقول الله سبحانه عن هذا الغني: {يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا} [البلد: 6] ؛ أي: يقول هذا الغني المتكبر متباهيًا بما أنفَق في شهواته وملذَّاته: أنفقت مالًا كثيرًا، فبدلًا مِن أن ينفقها في الحلال، ويؤتي منها ذوي القربى والمساكين وابن السبيل - يبذِّرها تبذيرها؛ فهو من إخوان الشياطين.
يقول الله سبحانه منكرًا على هذا الغني: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ} [البلد: 7] ؛ أي: أيظن هذا الغني المبذِّر أموالَه في شهواتِه أن الله الذي مِن أسمائه"أحدٌ"لا يراه، ولا يحاسبه على ما أنفقه من الأموال في غير طاعة الله؟!
ثم قال سبحانه: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 8 - 10] ؛ أي: ألم نجعل لهذا الغني المتكبر عينينِ يُبصر بهما ما أعطيناه من النِّعم، ولسانًا وشفتينِ ينطق بها ويفتخر، وبيَّنا له سبيلَيِ الخير والشر بإنزال الكتب وإرسال الرسل؟! وهذه نِعم عظيمة، دنيوية ودينية، لا تقدر بثمن، ولم يسأله الله على ذلك أجرًا، والمقصود بهذا تأنيب الغني المتكبر؛ لأنه لا يشكر الله بماله وقد أعطاه الله هذه النعم تفضلًا منه من غير حول منه ولا قوة، فلم يقُمْ بشكرها، بل استعان بعينيه على معصية الله، وتكلم بلسانه وشفتيه بما يُسخِط اللهَ، وترك اتباع طريق الشكر، واختار سلوك الطريق الذي يغضب الله!
والنَّجْد في اللغة: هو الطريق في المكان المرتفع، ففيه إشارة إلى أن طريق الخير والشر كلاهما فيه تعب ومشقة، فطوبى لمن جعل تعبه فيما يُرضي الله، لا فيما يُسخِطه.
قوله سبحانه: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} [البلد: 11] ؛ أي: فهلاَّ اقتحَم هذا الغني الأمور الشاقة بإنفاق أمواله فيما يُرضي الله عنه؟! أفلا دخل في هذا الطريق الصَّعب؟!
قوله سبحانه: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ} [البلد: 12، 13] ؛ أي: وما أعلَمكَ عن هذا الطريق؟! إنه القيام بهذه الأعمالِ الصالحةِ التي لا يستطيعها إلا الأغنياء أصحاب الأموال، ثم ذكر الله بعض الأمور الشاقة التي يحث الأغنياء على إنفاق أموالهم فيها بدلًا من إنفاقها في الشهوات والملذَّات، والتفاخر بتبذيرها في السفاسف التافهات.