الصفحة 10 من 26

فمن تلك الأمور الشاقة التي لا تستطاع إلا ببذل الكثير من الأموال: عِتق رقبة من أَسْر الرِّق، إحسانًا بذلك الرقيق، وتحريرًا له من العبودية، وهذا لا يكون إلا بشرائه من سيده بالأموال الطائلة، أو التعاون مع بعض الأغنياء على شراء هذا العبد أو الأَمَة وعتقهما لوجه الله، ومن ذلك: السعي في فَكاك الأسير المسلم المأسور عند الكفار، أو عند غيرهم من الظَّلمة.

ثم ذكر الله مثالًا آخر من الأمور الشاقة التي لا تستطاع إلا ببذل الكثير من الأموال، فقال سبحانه: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 14 - 16] ؛ أي: إطعام في يوم ذي مجاعة شديدة، يقلُّ فيها الطعام، ويرتفع سعر الطعام الموجود، فلا يستطيع شراءَه المساكينُ، فيقوم هذا الغني بإطعام الطعام في هذه المجاعة، فيشتريه بالمال الكثير، ويبذله للمساكين، لا سيما لليتيم - الذي لا أبَ له - مِن ذوي قرابته، فيجتمع فيه فضل الصدقة وصلة الرَّحِم، أو مسكينًا ليس من أقاربه معدِمًا، لا شيء عنده، قد لصِق التراب بثيابه وجسده من شدة الفقر، فيطعمه لوجهِ الله في تلك المجاعة الشديدة.

وهذان مثالانِ لاقتحام العقبة، ومِن اقتحام العقبة أيضًا: التنفيس عن مكروب، وإغاثة ملهوف، ونصر مظلوم، وإعانة مجاهد في سبيل الله، وقضاء دَينِ مُعسِر، وعلاج مريض، وتزويج شابٍّ لم يستطع النكاح، وبناء مسجد، أو إصلاح طريق، أو حفر بئر للناس، وغير ذلك من القُرَب العظيمة التي تنفق فيها الأموال الكثيرة.

قوله سبحانه: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} [البلد: 17] ؛ أي: ثم كان هذا الغنيُّ مع فعله الأعمالَ العظيمة بماله مِن الذين أخلصوا الإيمان لله، وأوصى بعضهم بعضًا بالصبر على طاعة الله، وعن معاصيه، وتواصَوْا بالرحمة بالخلق، وفي هذا ثناءٌ على الأغنياء الذين يتعاونون على البر والتقوى، فيتواصَون بالصبر؛ لأن الإنسان خُلِق في تعَب ومشقة، فيحتاج إلى مَن يحثه على الصبر على طاعة الله، ومَن يحثه على الصبر عن الشهوات المحرمة التي تشتهيها نفسُه، ويحثه على الصبر على أقدار الله المؤلمة، وأيضًا هؤلاء الأغنياء يتواصَون بالرحمة بالمساكين، فيحث بعضهم بعضًا على فعل الخير رحمة بالمساكين؛ فإن الإنسان خُلق في تعب، وقلة المال تزيد المساكين تعبًا إلى تعبهم، وشقاءً على شقائهم، فهؤلاء الأغنياء المحسنون يتواصون بالرحمة بالبؤساء؛ ليخففوا عنهم بما أعطاهم الله مِن الأموال، ويتعاوَنون على فعل المعروف بالمساكين، وتعاوُن هؤلاء الأغنياء الصالحون يُكثِّر خيرَهم ويوسِّعه؛ فإن الغنيَّ بمفرده مهما فعل من خير فإنه قد يكسل أو يمل، فبتعاونه مع غيره من الأغنياء المحسنين يستمر في فعل الخير، ويكون نفعُه أكثر وأوسع؛ ولذا أوصى الله المؤمنين بالتعاون على البِرِّ والتقوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت