الطيب العقبي والأديب المفكر عباس محمود العقاد وغيرهم من العلماء والعباقرة الأفذاذ، ونشأ في بيت كريم من أعرق بيوتات الجزائر؛ حيث يعود بأصوله إلى الأدارسة العلويين من أمراء المغرب في أزهى عصوره.
حفظ «البشير» القرآن الكريم وهو ابن تسع سنوات، ودرس علوم العربية على يد عمه الشيخ «محمد المكي الإبراهيمي» ، وكان عالم الجزائر لوقته، انتهت إليه علوم النحو والصرف والفقه في الجزائر، وصار مرجع الناس وطلاب العلم، وقد عني بابن أخيه عنايةً فائقةً، وفتح له أبوابًا كثيرةً في العلم، حتى إنه حفظ قدرًا كبيرًا من متون اللغة، وعددًا من دواوين فحول الشعراء، ويقف على علوم البلاغة والفقه والأصول، لما مات عمه تصدَّر هو لتدريس ما تلقاه عليه لزملائه في الدراسة، وكان عمره أربعة عشر عامًا.
ولما بلغ «البشير» الثاني والعشرين من عمره ولَّى وجهه نحو المدينة المنورة سنة (1330 هـ=1911 م) ؛ ليلحق بأبيه الذي سبقه بالهجرة إليها منذ أربع سنوات فرارًا من الاحتلال الفرنسي، ونزل في طريقه إلى القاهرة، ومكث بها ثلاثة أشهر، حضر فيها دروس بعض علماء الأزهر الكبار، من أمثال «سليم البشرى» ، «محمد نجيب المطيعي» ، «يوسف الدجوي» ، وزار دار الدعوة والإرشاد التي أسسها الشيخ «رشيد رضا» ، والتقي بالشاعرين الكبيرين «أحمد شوقي» و «حافظ إبراهيم» .
وفي المدينة المنورة استكمل «البشير» العلم في حلقات الحرم النبوي، واتصل بعالمين كبيرين كان لهما أعظم الأثر في توجيهه وإرشاده، أما الأول فهو الشيخ «عبد العزيز الوزير التونسي» ، وأخذ عنه (موطأ مالك) ، ولزم دروسه في الفقه المالكي، وأما الثاني فهو الشيخ «حسين أحمد الفيض آبادي الهندي» ، وأخذ عنه شرح صحيح مسلم، واستثمر «البشير» وقته هناك، فطاف بمكتبات المدينة الشهيرة، مثل: مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت، والسلطان محمود، ومكتبة آل المدني، ووجد في محفوظاتها الكثيرة ما أشبع نهمه العلمي.
وفي أثناء إقامته بالمدينة التقى بالشيخ «عبد الحميد بن باديس» ، الذي كان قد قدم لأداء فريضة الحج، وقد ربطت بينهما المودة ووحدة الهدف برباط وثيق، وأخذا يتطلعان لوضع خطة تبعث الحياة في الأمة الإسلامية بالجزائر، وانضم إليهما «الطيب العقبي» ؛ وهو