ونحن - أبناءه - نشهد، وإخوانه يشهدون أنه لولا علمه، ولسانه، وصبره وتأثيره الذي يشبه السحر - لما كانت جمعية العلماء، ولولا براعته في التصريف والتسيير لما سار لجمعية العلماء شراع في هذه الأمواج المتلاطمة من الفتن.
مات ابن باديس، في حين كان رفيقه في الجهاد وقسيمه في العلم والعمل محمد البشير الإبراهيمي منفيًّا في قرية (آفلو) من الجنوب الوهراني، بحيث لم يحضر دفنه، ولم يؤبّنه بكلمة، فعوّض ذلك برسائل تعزية كتبها إلى إخوانه بثَّ فيها حزنه للمصيبة، وصوّر فيها آثارها، ولم تنسه الفجيعة ما يجب من النصائح بالثبات، واستمرار السير، فجاءت رسائلَ من ذلك الطراز الساحر الذي لا يحسنه إلا الإبراهيمي، ولا أدري أيحتفظ إخواني بتلك الرسائل الفنية أم ضيّعوها؟!
ولما مضت على موت الأستاذ سنة، ورفيقه لا يزال في المنفى، أرسل الرئيس الجليل من منفاه هذه المقامة؛ فأبكت العيون، وجدّدت الأسى.
رغبنا إلى أستاذنا أن ننشر هذه المقامة فأذن - أبقاه الله - بعد امتناع؛ لأن أستاذنا - حفظه الله - لا يرى السجعَ معبّرًا عن النوازع العميقة، وإن كان هو إمامَ العصر بلا منازع في هذه الطريقة الأندلسية البديعة التي لا يحسنها إلا من جمع بين الطبع والصنعة، وملك أزمة اللغة والغريب ...
وحلّت في الأخير رغبتنا منه محل القبول، حرصًا على هذه المقامة أن تضيع إن لم تسجل، وكم نفائس مثل هذه المقامة، وكم من رسائل، وكم من تحف فنية من أدب الهزل والنكتة، وكم من ملاحم شعرية، بلغت الآلاف من الأبيات! ما زالت مطمورة في أوراق الأستاذ، وفي حافظته العجيبة.
وإذا لم يحرص أمثالنا من تلامذة الأستاذ على استخراجها ونشرها ضاعت، وخسر الأدب والعلم خسارة لا تعوّض، وهاهي ذي المقامة الباديسية، وننبِّه إلى أن الأستاذ حذف منها كثيرًا مما لا تسمح الظروف بنشره».
الشيخ البشير الإبراهيمي شخصية فذة، فقد أوتي مواهب عديدة، فكان خطيبًا مِصْقعًا، وشاعرًا مُفْلِقًا، وكاتبًا لا يكاد أحد يدانيه في وقته، يشهد له بذلك كل من