وقد كدت أن أقف مع أسلوبه الأخاذ النافذ في الأرواح والعقول إلا أني ارتأيت أن أتجاوز ذلك لرصد معالم من أفكار الرجل في ميدان النهضة أو النهضات لنرى أن جمعية العلماء بالجزائر كانت تعد هذا البلد لا ليتحرر من ربقة الاستعمار ولكن ليكون في مقدمة الأمة الإسلامية.
كما لا أنسى لقائي المبارك صيف (1954 م) كلا من الإمامين الشيخ الإبراهيمي والشيخ الشهيد العربي التبسي, الذي أنابه أخوه الإبراهيمي لإلقاء محاضرة في نادي جماعة (عباد الرحمن) ، وكان لي الشرف بتقديم المحاضر الذي ترك آثارا حميدة وطيبة في الحاضرين كما أن الشيخ البشير هو الذي وجهني فيمن وجهني لمتابعة دراستي بكلية دار العلوم، قال: فإن لم تجد كلية اللغة بالأزهر فعليك بكلية أصول الدين».
-يقول عبد الرحمان شيبان: «الشيخ البشير الإبراهيمي، قبل أن يكون مفكّرًا مصلحًا، وسياسيًّا محنّكًا: كان أديبًا شاعرًا، وخطيبًا مفوَّها؛ عالمًا فقيهًا في العربيّة، خبيرًا بأسرارها، متضلّعًا في آدابها وفنونها» .
-يقول أسعد السحمراني: «الإبراهيمي واحد من الوجوه البارزة في هذه الجمعية (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) ، عمل فيها لإيمانه بأهمية العمل المنظم الجماعي من أجل النهوض والتحرر بإعادة الوصل الحضاري بين الماضي والحاضر من أجل المستقبل» .
إصلاح العقيدة هو أساس كلّ إصلاح، فقد قال الإمام مالك رحمه الله: «لا يصلح أمر هذه الأمَّة إلا بما صلح به أوَّلها» . وهو الشعار الذي رفعه المصلحون في الجزائر، وجسَّدوه في أقوالهم وأفعالهم، وكتاباتهم، فها هو الشيخ «مبارك الميلي» ـ مؤرِّخ الجزائر وأحد علمائها ـ يكتب في العشرينيات من القرن الماضي في أحد أعداد جريدة (المنتقد) : «من حاول إصلاح أمَّة إسلامية بغير دينها، فقد عرَّض وحدتها للانحلال وجسمها للتلاشي، وصار هادمًا لعرشها بنيَّة تشييده» .
كان هذا هو منهج الإمام البشير الإبراهيمي -رحمه الله- الذي التزمه طيلة حياته المحتشدة بالأحداث الجسام، والتحوُّلات العظيمة، والجهاد لعودة المجتمع الجزائري إلى ينابيعه الأصيلة، واضطلاع المرأة الجزائرية بدورها في نهضة المجتمع المسلم.