أتجاوز الصور البيانية المشرقة في بحوث الشيخ البشير الإبراهيمي وكتاباته إلى الأفكار التي ينادي بها والقيم التي يدعو إليها, وأتتبع مواقفه الثائرة فيها على الاحتلال وذيوله.
على أني مع ذلك لا أزال مأخوذا بالبيان العربي الجزل لهذا العالم الثائر الجليل, ولعلي لا أشرد إلى الغلو إن قلت: إنها مزية يعلو بها الشيخ الإبراهيمي على سائر علماء ومفكري عصره في الجزائر.
-يقول الهراس: الإمام الشيخ البشير الإبراهيمي هو نتاج المدرسة الإسلامية المتسمة بالموسوعية العلمية، والمشاركة في جل العلوم الإسلامية مثل ابن رشد الذي كان يفزع إليه في الفقه مثل ما يفزع إليه في الطب والفلسفة, وقد أدركنا كثيرا من علمائنا المبرزين في كثير من العلوم وإن كان بعضهم يغلب عليه العلوم النقلية أو العقلية أو النحوية والأدبية ... لذلك نجد أمثال الشيخ محمود محمد شاكر -رحمه الله- من كبار الشعراء والكتاب والمحققين في الأدب والتفسير والحديث.
وشيخنا الإبراهيمي من هذا النوع الذي كان يملك ناصية الأدب مثلما يملك ناصية التفسير واللغة والفقه والحديث والتاريخ الإسلامي ... وقد كان الرجل يعيش بروحه في أبراج الحضارة الإسلامية وثقافتها وبجسمه وعقله في العصر الذي يعيش فيه، وقد تمرس بالحياة واطلع على كثير من جوانب عصره في بلده وفي الحجاز والشام وغيرهما، لذلك عندما اضطلع بقيادة جمعية العلماء بجانب الشيخ عبد الحميد بن باديس ثم وحده مع ثلة من هذه المدرسة الإسلامية الرائدة، كان رجل المعركة المناسب وقائد المسيرة الموفق، يدري ما يريد ويعمل وفق مخطط واع وأهداف محددة وخطوات محسوبة، وقد أتاه الله قلما لو وجهه للأرواح المحتضرة لأحيائها وللعقول الزائغة لهداها وللإرادات الخائرة لقواها ولو رمى بها الخصم لأصماه والحقود الحسود لأعماه، قلم يحرك السواكن ويهيج الكوامن نفاخر به كبار كتاب العصور العربية الذهبية ونباري به الأقلام العربية المعاصرة الفذة، بل إن قلم شيخنا يمتاز بغزارة العلم وتدفق المعرفة وعمق التجربة وتوقد الخاطر وجمال الفواصل واختراع المعاني وجزالة الألفاظ وجمالها وسمات أسلوبية وفكرية كثيرة تحتاج إلى دراسات علمية رصينه.