الصفحة 23 من 30

قال الوليد: فمتى يكون ذلك؟

قال: لست أخافه عليك، ولا على هذا القرن الّذي أنت فيه، وإنّما أخافه إذا قُتل سميُّك، ووقع الاختلاف بين أهل بيتِك، وابتزَّ الأمرَ منهم سميُّ جدّك، فظهرت الرايات السود بالمشرق، فبؤسًا لبني أميّة، عند ذلك يزول الأمرُ عنهم، وتُسفك دماؤهم، ويرثي لهم مَنْ كان يتمنّى هلاكَهم.!

وكان بنو أمية يتوارثون هذا الخبر، حتى إن محمد بن علي العباسي وفد على هشام بن عبد الملك، يطلب منه قضاء دين كان عليه، فقال له هشام كالمستهزئ: (إذا طلعت الراياتُ السود قضينا دينَك) .

وقد جاء ذلك من قول كعب الأحبار، أخرجه البيهقي في (الدلائل) [6/ 517] عنه أنه قال: (تظهر رايات سود لبني العباس حتى ينزلوا الشام، ويقتل الله على أيديهم كل جبار وعدو لهم) ولا ريب أن هذا قد كان، ولكن ليس هو المراد من خبر الرايات السود المرفوع المتقدم.

واعلم أن هذا الأمر الذي هو اتخاذ السواد شعارًا وراية ولباسًا، قد غدا سنة سنّها العباسيون لكل دولة تقوم بالدعوة إلى حكمها، فهذا محمد بن هود لما ثار على الموحدين بالأندلس سنة (625) وأقام إمارةً مستقلة، وتسمّى بأمير المؤمنين، وقطع الخطبةَ للموحدين، وأقامها للعباسيين، ونشر الرايات السود كما في (تاريخ العرب في الأندلس) [366] .

ونظيره ظهور الحارث بن سُريج الخارج بخراسان في رايات سود، كما ذكره أبو جعفر بن جرير في حوادث سنة (128) من (تاريخه) بل كان الحارث هذا يدعي ويُظهر أنه صاحب الرايات السود على ما ذكره أبو علي بن مسكويه في (تجارب الأمم) [3/ 244] وابن الأثير في (الكامل) [4/ 347] .

وممن رفع الرايات السود، البساسيري في فتنته عند دخوله بغداد كما في (تاريخ دمشق) [146] لابن القلانسي، وكذا المعز ابن باديس صاحب إفريقية حين انحرف عن العبيدين، وبايع القائمَ، ونشر الرايات السود كما في (اتعاظ الحنفاء) للمقريزي [2/ 216] وغير ذلك.

بل حتى الخميني زعم ذلك، فكان يقول لاتباعه: (إني أرى الرايات السود قد قَرُبَ موعدُها) .!

ومن هنا ساند العامةُ العباسيين، لظنهم أنهم إنما يدعون للقائم الرضا من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو المهدي عليه السلام! وهذا يدلُّ على أن المستقرّ عند أهل العلم والعامة أن الأحاديث الواردة في الرايات السود إنما هي في خروج المهدي عليه السلام، لأن الناس لم يساندوا العباسيين إلا لظنهم أن المهدي في راياتهم السود، والعباسيون استثمروا ذلك في الدعوة لدولتهم، وأغروا العامةَ بذلك لاتّباعهم وتأييدهم، وهذا ظاهر، وقد ذكر المطهر المقدسي في (تاريخه) [2/ 175] أن أبا مسلم الخراساني أول من عقد الرايات السود وسوّد ثيابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت