الصفحة 24 من 30

وبهذا يظهر أن حمل الأحاديث والآثار الواردة في ظهور الرايات السود على خلافة العباسيين، وحصرها فيهم دون غيرهم، غلط لا وجه له.

والصحيح الذي جزم به العلماء أنها إخبار عن خروج مهدي آخر الزمان، وظهور رايات سود من المشرق تَقْدُمُ لتأييده ونُصرته، وقد قال الحافظ ابن كثير في (الملاحم) [1/ 55] : (وهذه الرايات السود ليست هي التي أقبل بها أبو مسلم الخراساني، فاستلهب بها دولة بني أمية في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، بل رايات سود أخر تأتي بصحبة المهدي وهو محمد بن عبد الله العلوي الفاطمي الحسني رضي الله عنه، يصلحه الله في ليلة أي يتوب عليه ويوفقه ويفهمه ويرشده بعد أن لم يكن كذلك، ويؤيده بناس من أهل المشرق ينصرونه ويقيمون سلطانه ويشدّون أركانه، وتكون راياتهم سوداء أيضًا، وهو زيٌ عليه الوقار، لأن راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت سوداء يقال لها العقاب) .. قال: (والمقصود أن المهدي الممدوح الموعود بوجوده في آخر الزمان، يكون أصل خروجه وظهوره من ناحية المشرق، ويُبايع له عند البيت كما دلَّ على ذلك نصُّ الحديث، وقد أفردتُ في ذكر المهديِّ جُزءًا على حدة ولله الحمد) .

وقال في (التاريخ) [6/ 247] : (وقد ورد عن جماعة من السلف في ذكر الرايات السود التي تخرج من خراسان بما يطول ذكره، وقد استقصى ذلك نُعيم بن حماد في كتابه، وفي بعض الروايات ما يدل على أنه لم يقع أمرها بعدُ، وأن ذلك يكون في آخر الزمان) .

وقال في موضع آخر [6/ 248] في الكلام على الأحاديث الضعيفة الواردة في خروج أبي العباس السفاح: (وتكون الرايات السود المذكورة في هذه الأحاديث إن صحت، هي التي تكون مع المهدي، ويكون أول ظهور بيعته بمكة، ثم تكون أنصاره من خراسان، كما وقع قديمًا للسفاح) .

وممن نصَّ على أن الرايات السود الواردة في السنة، هي غير رايات بني العباس، السَّفَّارينيُّ في (شرح عقيدته) [2/ 80] .

ومما يؤكد أن هذه الأخبار في الرايات السود، إنما هي في المهدي دون غيره، أن كل من قام وادعى أنه المهدي كابن تومرت وغيره، فإنه يتّخذ رايات سود، لنيل تأييد أهل العلم والعامة له.!

وبهذا يظهر أن الأخبار الواردة في الرايات السود ثلاثة أنواع:

الأول: في ظهور رايات بني العباس السود التي ترفع للدعوة إلى دولتهم وملكهم، وما روي في ذلك مرفوعًا، لا يثبت كما قاله ابن الجوزي وابن كثير وغيرهما، لكن صح منه ما جاء عن بعض السلف، كقول يوسف بن عبد الله بن سلام رحمه الله وقد مرَّ بدار مروان بن الحكم فقال: (ويلٌ لأمة محمد من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت