الصفحة 26 من 30

وهذا عين ما جاء في أثر علي المتقدم عند نعيم في (الفتن) في خروج رايات الدولة السوداء وفيه: (إذا رأيتم الرايات السود، فالزموا الأرض فلا تُحركوا أيديكم ولا أرجلكم) فأمر باعتزالهم فلا تكن معهم ولا عليهم، لأنهم كما أخبر عنهم (لا يفون بعهد ولا ميثاق، يدعون إلى الحق وليسوا من أهله)

ثم أخبر أن الله يؤتي الحق من يشاء، ومن هنا نهى الإمام أحمد عن الخروج إلى جهتهم لأنها مظنة الفتن، والشارع إنما أمر بالفرار من الفتن.

النوع الثالث: خاص بظهور المهدي في آخر الزمان ولم يقع بعدُ، كما قال ابن عباس فيما ذكره المطهر في (تاريخه) [2/ 147] : (إذا أقبلت الرايات السود من المشرق توطئون للمهدي) .

وهو المراد قطعًا بأحاديث الباب في الرايات السود، وأصحاب الرايات السود هذه، هم أيضًا من يخرج من المشرق كخراسان وعصائب العراق وأبدال الشام، لنُصرة المهدي عليه السلام، وهي رايات حق لا ينبغي التخلف عنها وخذلانها، ويجب اتّباعها ونُصرتها، كما هو نص الحديث، فإنه قال (فليأته ولو حبوًا على الركب) وهو على سبيل المبالغة في نصرته وعدم التخلف عنه، وفي رواية (ولو حبوًا على الثلج) وفيه إشارة للشام لأن الثلج يكون بها، أو هو من دلائل النبوة، وأنه إشارة إلى أن الثلج سيكون في بلاد العرب آخر الزمان، كما هو في بلاد العجم، وكما هو مشاهد في بلاد العرب هذه الأيام. والله أعلم

واعلم أن كثيرًا من الأخبار والآثار الواردة في الفتن عند نُعيم وغيره في الرايات غير ما ذكرناه، على ضعف أسانيدها وكونها متلقاة من علوم الأوائل وأخبار أهل الكتابين، فإن غالبها واردٌ في رايات بني العباس، والعبيدين أدعياء الفاطمية، ومَنْ خرج عليهم، وقليلٌ منها يتعلق بما يكون من الملاحم آخر الزمان، فليس ينبغي الإمعان في تنزيلها على واقع اليوم، والإغراق في تكلف توجيهها بما يتلاءم معه، فإن هذا مظنّة الكذب والتقوّل على الشارع وقد قال تعالى (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) [الإسراء 36] وقال لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) [ص 86] .

وفي حديث الباب: (يقتتل عند كنزكم هذا) واستظهر الحافظ ابن كثير في (الملاحم) [1/ 55] أن المراد بالكنز في الحديث كنز الكعبة، وأنه يقتتل عنده ليأخذه ثلاثةٌ من أولاد الخلفاء، حتى يكون آخر الزمان، فيخرج المهدي ويكون ظهوره من بلاد المشرق، كذا قال.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الذي يستخرج كنز الكعبة، ذو السويقتين من الحبشة كما في (الصحيح) ووقع عند الحافظ أبي موسى المديني في (غريب الحديث) [2/ 152] : (لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة) وهذا يقوي ما استظهره ابن كثير، لأنه قال في حديث الرايات (ثم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت