الصفحة 27 من 30

لايصل إلى واحد منهم) أي: الكنز، لا يستخرجه واحد من أولاد الخلفاء الثلاثة الذين يقتتلون عليه، حتى يكون الذي يستخرجه بعد ذلك هذا الحبشي.

ويحتمل أن يكون المراد بالكنز، جبل الذهب الذي يحسر عنه الفرات، وإن كان سياق الحديث يدفعه، لأن ظاهر قوله (كنزكم هذا) الإشارة إلى معهود عندهم، أو أن المخاطب به أهل الحجاز فيكون الكنز ثمَّ، وليس إلا كنز الكعبة كما قاله ابن كثير.

وعندي أن المراد بالكنز في خبر الرايات السود، الملكُ والحكمُ، وليس كنز الكعبة ولا غيره، لثلاثة وجوه:

أحدهما: أنه قال في الحديث (ثم لا يصل الملك إلى واحد منهم) والملك هو الحكم والرياسة.

ثانيهما: أن المعروف من نزاع أولاد الملوك أنهم إنما يتنازعون على الحكم والملك والرياسة.

الثالث: أنه قال في رواية (يقتتل عند حَرّتكم) وهي المدينة، وليست مكة، والحَرّة: الأرض ذات الحجارة السود النخرة كأنها أحرقت بالنار، وحرار العرب كثيرة وأغلبها ما بين المدينة إلى الشام كما في (معجم ياقوت) [2/ 245] ، وأيضًا فإن الحَرّة إذا أطلقت في نصوص الشارع انصرفتْ إلى حَرّة المدينة دون غيرها، لأنها المعهودة عندهم. والله أعلم

وظواهر ألفاظ الخبر تقتضي أن نفس الرايات السود التي تخرج آخر الزمان نوعان:

أحدهما: رايات هدى وعدل، وهي التي تخرج من خراسان والمشرق، ويكون فيها عصائب أهل العراق، وأبدال أهل الشام، وغايتُها نُصرة المهدي عليه السلام، فهذه الرايات يجب نُصرتها.

وهذه الرايات السود تخرج لنُصرة المهدي حين يبلغها خبر مبايعته بمكة، تظهر من خراسان والعراق والشام، وتقاتل رايات السفياني الصفر التي بالعراق والشام، فيتوجه بعضها لقتاله بالشام حتى تنتزع منه بيت المقدس، كما في الخبر (لا يردّها شيء حتى تُنصَب بإيلياء) وبعضها إلى العراق كما أخرج نُعيم [909] بسند فيه جابر الجُعفي عن أبي جعفر الباقر أنه قال: (تنزل الراياتُ السود التي تخرج من خراسان الكوفةَ، فإذا ظهر المهديُّ بمكةَ بُعث إليه بالبيعة) في الوقت الذي يكون السفياني مع قسم آخر من راياته الصفر بدمشق، فيبلغه خبر المهدي، فيوجه إليه بجيش يُخسف به وهو في الطريق إليه بالبيداء، وهو جيش البيداء الذي ذُكر خبره في (الصحيح) ثم يلتقي المهدي بالسفياني فيهزمه وعسكَرَه بالشام، ويقتلُ السفياني، ثم تأتي الرايات السود فتلتقي المهديَّ بدمشق، وتدفع له راياتها وتبايعه، كما في خبر ابن مسعود الذي مرّ وفيه: (فإنها رايات هدى، يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمُه اسمي، واسمُ أبيه اسمَ أبي، فيملك الأرض فيملأها قسطًا وعدلًا، كما ملئت جورًا وظلمًا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت