الصفحة 17 من 35

ولامركزيتها، وأباح الاستفادة من الأساليب والوسائل المختلفة لتنظيم الشؤون الإدارية في الدولة؛ حيث يظهر من استقصاء الأدلة الشرعية جوازُ أخذِ الدولة الإسلامية بمبدأ المركزية أو اللامركزية الإدارية، والاستفادة من الوسائل الإدارية المناسبة لذلك، وَفْقًا لِما يقتضيه حال الدولة؛ حيث كان ولاةُ الأقاليم في عهد الرسول - عليه الصلاة والسلام - وخلفائه الراشدين يفوَّضون بصلاحيات إدارية واسعة في جمع الخراج والجزية والزكاة وتوزيعها، إلى غير ذلك من الشؤون الإدارية الداخلية للولاية، مع تبعيتهم وارتباطهم في ممارسة السلطة والحكم بالخليفة.

أما ممارسة السلطة وتقلُّد الولاية دون إذنِ الخليفة، فلم يُجِزهُ الفقهاء إلا اضطرارًا؛ حيث أطلقوا عليه لفظ"الاستيلاء"في إمارة الاستيلاء، مع اشتراطهم حصول الإذنِ من الإمام بعد ذلك لتحقيقِ شرعية السلطة، وكان ذلك إقرارًا لواقعٍ، وليس تنظيرًا أو تحليلًا لقواعدَ فكريةٍ وسياسية للنظام الإسلامي، أو استنباطًا من الأدلة الشرعية.

كما أن أخذ أساليب إدارية معيَّنة لتنظيم شؤون الدولة الإدارية، وتنفيذ الأحكام الشرعية نحو نظام الدواوين الذي سنَّه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لا يتعلَّقُ بشكل الدولة أو تنظيمها السياسي، أو يدعو إلى القول بجواز اقتباس النظم السياسية غير الإسلامية بحجة أن"الأنساق السياسية ليستْ سوى أطر تؤلِّفها متغيرات حركية، يتم انتخابها حسبما تطرحه معطيات التجارب الإنسانية الحية"؛ (عثمان، بدون تاريخ: 26) .

حيث إن الإدارة إنما هي أساليب ووسائل ينفذُ بها الحكم الشرعي، وليست هي الأحكام الشرعية ذاتها، والتي يقتصر بيانها على الأدلة الشرعية الثابتة بالكتاب والسنة؛ ولهذا أجاز الشارع أخذ أساليب ووسائل تنفيذها الأحكام ما دامت لا تخالف الشرع، ولم يُجِزْ مطلقًا أخذ أحكام وتنظيمات تشريعية من غير الإسلام مطلقًا؛ ولهذا فمِن الخطأ القول بأن الأنساق السياسية تؤلفها متغيراتٌ لقيامِ النظام السياسي الإسلامي على ثوابت وأطر شرعية لا يجوز تجاوزها، وإلا خرج النظام عن الأطر الشرعية.

ومما يؤكِّد كذلك أن الدولة الإسلامية دولة واحدة موحدة، وليست دولة فيدرالية أو كونفدرالية - أن الواقع التاريخي منذ قيام الدولة الإسلامية حتى آخر خلافة إسلامية سنة"1924 م يشهدُ بأنه لم تكن هناك سوى دولة واحدة موحدة، يرأسها إمام واحد، تتبعها الولايات الإدارية المختلفة، بدليل أنه لم يكن للمسلمين سوى إمام واحد طوال تاريخهم، فلم يعرف وجود أكثر من إمام، مع وجود أمراء للولايات ليست لهم صفة الإمامة الكبرى، وإن"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت