أن صحيفة الدولة الإسلامية قد بسطت"مبدأ وحدة الأمة والمواطنة، وهو أمر يحتوي كيان وطني متَّحِد، يعترف بالانتماء الذاتي للكيانات الوطنية .. والإبقاء على الأعراف المحلية ومواريث الثقافة البناءة"؛ (عثمان، بدون تاريخ: 23 - 25) .
ويتَّفِق هذا الرأي من فكرة فيدرالية الدولة المنادية بالمحافظة على وَحْدة الدولة، مع المحافظة على هُوِيَّة الوحدات الداخلة في الاتحاد، ونحن نرى أن هذا مجانبٌ للصواب من أوجهٍ عدة:
أولًا: أن الاستشهاد بصحيفةِ المدينة لبيانِ شكل الدولة الإسلامي وتنظيمها السياسي استشهادٌ في غير موضعِه؛ ذلك أن الصحفية عُقِدت في مرحلة مبكرة جدًّا من تكوين الدولة الإسلامية، ولم تكن الأدلة الشرعية المنظِّمة لواقع الدولة وعَلاقة المسلمين بغير المسلمين وواجباتهم قد نزلتْ بعدُ؛ حيث إن فرض الجِزْية، ووجوب القتال للجهاد في سبيل الله، وإخراج الكفَّار من جزيرة العرب، والأحكام المتعلقة بذلك، إنما فُرِضت في أواخر حياته - صلى الله عليه وسلم - عندما نزلتْ سورة التوبة والأنفال، وسورة الحشر وغيرها؛ لذلك لا يُقبَل الاستشهاد بالصحيفة لنفي ما أظهرتْه الأدلة الشرعية اللاحقة والمؤكِّدة على وَحْدة الدولة والخلافة، وتحريم التعدُّدية السياسية في دار الإسلام.
إن الواقع التاريخي يشهد أن الكيانات اليهودية التي كانت قائمة عند هجرته - صلى الله عليه وسلم - إنما كانت كيانات مستقلة عن كيان المهاجرين والأنصار، ولأهلها حصونهم الخاصة بهم، ولم يكونوا جزءًا من الدولة التي أقامها الرسول - عليه الصلاة والسلام - ولهذا فإن الصحيفة إنما كانت تنظِّم عَلاقة خارجية للدولة الإسلامية مع جعل الهَيْمنة للدولة الإسلامية، وليست منظِّمة لعَلاقات داخلية لرعاياها، فالصحيفة تدل على جواز عقد معاهدات حُسْن الجوار بين الدولة الإسلامية وغيرها من الكيانات أو الدول؛ لمصلحة المسلمين، ولكن لا تدل بحال على جواز الفيدرالية في الدولة، أو وجود كيانات مستقلة ذاتيًّا داخل الدولة.
إن مناط البحث هو في وحدة الأمة الإسلامية في دولة واحدة، وهو ما أكَّدته الصحيفة نصًّا بالقول:"وأن المسلمين أمةٌ من دون الناس"؛ ولذلك فإنه لا يجوز الاستدلال بالصحيفة للمناداة بالتجزئة السياسية أو الفيدرالية؛ لأن الصحيفة تؤكِّد خلاف ذلك من وجوب الوحدة الشاملة للأمة في الدولة الإسلامية.
كما خلط الكتَّاب الذين نَادَوا بفيدرالية الدولة الإسلامية بين ممارسة السلطة وشكل الدولة من ناحية، وبين الشؤون الإدارية من ناحية أخرى، والتي أباح التشريع الإسلامي مركزيتها