مات لم يكن هناك أحدٌ يصلِّي عليه، وصلَّى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة"؛ (ابن تيمية، ج 19، بدون تاريخ: 218) ."
ولقد جاء عن ابن تيمية في موضع آخر قوله:"بالجملة لا خلاف بين المسلمين أن مَن كان في دار الكفر وقد آمن، وهو عاجز عن الهجرة، لا تحسب عليه من الشرائع ما يعجز عنها، بل الوجوب بحسب الإمكان، وكذلك ما لم يعلم حكمه، فلو لم يعلم أن الصلاة واجبة عليه وبقي مدة فلم يصلِّ، لم يجب عليه القضاء .. وكذلك سائر الواجبات من صوم رمضان، وأداء الزكاة، وغير ذلك .. وكذلك لو عامل بما يستحلُّه من ربا، ثم تبيَّن له تحريمه، وكذلك لو تزوَّج نكاحًا يعتقد صحته على عادتهم .. فالصواب في هذا الباب أن الحكم لا يثبت إلا مع التمكن من العلم، وأنه لا يَقضِي ما لم يعلم وجوبَه، وهذا يطابق الأصل في أن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، فالجواب بالشروط بالقدرة، والعقوبة لا تكون إلا بعد تمام الحجة"؛ (ابن تيمية، ج 19، بدون تاريخ: 225 - 227) .
ولذ فإنه مَن استوطن دار الكفر يتعذَّر على الدولة إجراء الأحكام له، وعدم علمه بها، واحتمال العجز عن إقامتها، كما جاءت السنة بعدم مسؤولية الدولة اقتصاديًّا برعاية مَن استوطن خارجها من المسلمين، وعدم استحقاقهم للفيء والغنيمة، قال أحمد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال:"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث أميرًا على سريَّة أو جيش، قال: (( إذا لقيت عدوك من المشركين، فادعُهم إلى ثلاث خصال: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبَلْ منهم، وكفَّ عنهم، فإن أَبَوا واختاروا دارَهم، فاعلموا أنهم يكونون كأعراب المسلمين .. لا يكون لهم في الفيء أو الغنيمة نصيب ) )؛ (ابن كثير، ج 3، 1385 هـ، 1966: 352 - 353) ؛ مما يدل على عدم سريان الأحكام على مَن يستوطن دار الفكر."
كما أن الله - تعالى - أسقط دِيَة المسلم الذي يُقتَل إذا كان أولياؤه من أهل الحروب، قال - تعالى: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] ، ورتَّب الفقهاء على ذلك أن المسلم إذا استوطن"دار الكفر"كان من أهلها؛ ولهذا إذا قتله جيش المسلمين ولم يعلموا حاله لم تُوجَب عليه الدِّيَة؛ لأن الدار دار إباحة، فلم يتعلَّق بالقتل وجوب الدية"؛ (ابن القيم الجوزية، جـ 1، 1983: 367) ."