الصفحة 28 من 35

وقد عامل - عليه السلام - الأَسْرَى من أهل بدر الذين كانوا يُخفُون إسلامهم، خرجوا مع جيشِ قريش، مثلما عامل الكفار سواءً بسواء، في طلب الفداء منهم.

روى ابن كثير عن الزُّهرِي لما أُسِر العبَّاس وعَقِيل ونوفل، قال:"بعثتْ قريشٌ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فداء أسراهم .. وقال العباس: يا رسول الله، قد كنت مسلمًا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للعبَّاس: (( الله أعلم بإسلامك، فإن يكن كما تقول، فالله يجزيك، وأما ظاهرك فقد كان علينا، فافتدِ نفسك وابن أخيك ) (ابن كثير جـ ج 3، 1385 هـ: 349) ، هذا بالنسبة للمسلمين المستوطنين دار الكفر،"

أما غير المسلمين في دار الكفر من الحربيِّين، فمِن باب أولى عدم سريان أحكام الشرع عليهم فيما يفعلونه بدار الكفر، ما داموا حربيِّين؛ حيث إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أسقط الأحكام عمَّن أسلم وهاجر، ولم يَقُمْ بمساءلتهم عن الأفعال السابقة، وأسقط الأحكام عمَّا ارتكب من أفعال في دار الكفر قبل تحويلها إلى دار إسلام؛ حيث يقول - عليه السلام - في الصحيح: (( إن الإسلام يهدمُ ما كان قبله، وإن الهجرة تهدم ما كان قبلها ) (النووي، جـ 2، 1401 هـ: 138) .

وفي الصحيح من حديث وائل بن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( مَن أحسنَ في الإسلام لم يؤاخذْ بما عَمِل في الجاهلية ) (ابن كثير جـ 1385,3 هـ: 316) .

كما أنه - عليه السلام - أسقط العقوبات عمَّا فعل مشركو قريش بعد فتح مكة، ولم يحاسبهم عليها، وقال - عز وجل: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] .

ويفسِّر ابن القيم عدم مطالبة المرابي بردِّ ما أَخَذ من ربا في الجاهلية بعد إقامة حكم الإسلام، بأن"ما كان قبل الإسلام، فهو عفوٌ لا نحكم له بأحكام الإسلام، قال الله - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} [البقرة: 278] ، فأمر بترك ما بقي دون ردِّ ما قبض"؛ (ابن قيم الجوزية، ج 1983,1: 354) .

يتضح من ذلك أن الكفَّار المستوطنين دار الكفر لا تسري عليهم الأحكام ما داموا لم يهاجروا ويُسْلِموا، وما لم تتحوَّل دارهم إلى دار الإسلام، و"أنه تعالى لم يُبطِلْ ما دفع في الجاهلية على"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت