الصفحة 29 من 35

خلاف شرعه، وأمر بالتزام شرعه من حين قام الشرع"؛ (ابن قيم الجوزية، جـ 1983,1: 354) ."

يمكن القول إذًا:"إن الأصل في سريان الأحكام الشرعية من حيث المكان والأشخاص، يتلخَّص في أن تُقِيم الدولة الأحكام على كل مَن يقيم تحت سلطانها في الداخل، وعلى كل مَن يحمل تابعيتها في الخارج من المسلمين وغير المسلمين، ومع وجود هذا الأصل، فإن الشريعة جاءت باستثناء غير المسلمين مِن بعض الأحكام الجزئية؛ وذلك باعتبار أن غير المسلمين لا يعتنقون عقيدة الإسلام، ولا يؤمنون بما جاء به من أحكام؛ حيث إن الإسلام شرع عدمَ الإكراه على اعتناق العقيدة."

قال - عز وجل: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256] ؛ لذلك فإن الأحكام التي يلزم من تطبيقها على غير المسلم إكراه في الدين، والتي ترتبط بما يؤمن به - تُعد مستثناة من الأصل، ويُعفى غير المسلم من التزامها، ويستثنى من تطبيقها عليه من قبل الدولة بالداخل والخارج، وبالاستقراء في الأدلة نجد أن الأحكام التي يستثنى غير المسلم من الالتزام بها تقتصر على أمور العقائد والعبادات والمطعومات والملبوسات وأمور النكاح؛ فالعقائد والعبادات داخلة تحت قوله - عز وجل: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256] ، ولما ثبت من سنَّة الرسول - عليه السلام - وبإجماع الصحابة من ترك أهل الكتاب من يهود ونصارى على عقائدهم، وكذلك ترك المجوس على ملتهم؛ حيث روى أبو يوسف في كتابه"الخراج"أن خالد بن الوليد صالَحَ أهل عانات بالعراق"على ألا يهدمَ لهم بيعة ولا كنيسة .. وعلى أن يضربوا نواقيسهم في أي ساعة شاؤوا من ليل أو نهار إلا في أوقات الصلوات، وأن يُخرِجُوا الصلبان في أيام عيدهم ..."؛ (أبو يوسف، بدون تاريخ: 158) .

وروى أبو يوسف كتابَ رسول الله - عليه السلام - لنصارى نجران، ومنه أنه"لنجران وحاشيتها جوارُ الله وذمَّة محمد النبي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أموالهم وأنفسهم وأرضهم وملتهم .. ، لا يغير أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته ..."؛ (أبو يوسف، بدون تاريخ: 78) .

ولما عاهد أبو عبيدة بأمر أبي بكر - رضي الله عنهما - نصارى الشام،"اشترط عليهم حين دخلها على أن تترك كنائسهم وبِيَعهم على ألا يُحدِثُوا بناءَ بيعةٍ ولا كنيسة .. فقالوا لأبي عبيدة:"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت