وعاملات وعقود تجري في دار الإسلام، والتي ليس في الالتزام بها إكراهٌ في الدين، فإن الذمي والمعاهد يجري عليه في ذلك ما يجري على المسلمين سواء بسواء؛ لِمَا سبق بيانه من أدلة، وقد وردت أيضًا بعض الأحكام الجزئية التي تُعفِي من تطبيق الأحكام مَن كان رسولًا لدولة أجنبية، أو كان من المعاهَدين المقيمين خارج دار الإسلام، ويترتب على تطبيق الأحكام عدم الوفاء له بعهده؛ حيث روي عن النبي - عليه السلام - قوله: (( إنني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البُرُد ) )؛ (ابن الاثير ج 1400,3 هـ: 258) ، وفي رواية ردًّا على اللذينِ أتيا برسالة من مسيلمة الكذَّاب، وكان قد ارتدَّا عن الإسلام، قال - عليه السلام: (( ما تقولان أنتما؟ ) )، قالا: نقول كما قال، فقال - عليه السلام: (( لولا أن الرسل لا تُقتَل لضربتُ أعناقَكما ) )؛ (ابن الاثير ج 1400,3 هـ: 259) ؛ مما يدل على إعفاء رسل الدول الأجنبية من سريان الأحكام.
كذلك مما يدل على وجوب الوفاء بالعهد حتى لو أسقط سريان بعض الأحكام، أن المسلم إذا كان في خارج دار الإسلام واستنصر المسلمين في الدين، فإنه لا يُنصَر إن كان بين مَن اعتدى عليه وبين أهل دار الإسلام ميثاق وعهد، قال - عز وجل: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} [الأنفال: 72] ؛ مما يدل على أن الوفاء بالعهد يُسقِط وجوبَ نصرة المسلم الذي يستوطن دار الكفر، كما استثنى - عز وجل - أهل العهد الذين يُقِيمون بديارهم من سريان الأحكام، التي نزلتْ في سورة التوبة عليهم إلى نهاية عهدهم، قال - عز وجل: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ} [التوبة: 4] ، مما يدلُّ على أنه في حالة فردية يستثنَى من إجراء الأحكام وسريانها مَن كان قد جرى له عقد عهد لمصلحة المسلمين، ثم ظهر أن عهده يقتضي عدم سريان بعض الأحكام، فإنه من هذه الحالة يلزم الوفاء بالعهد له، حتى إذا أدى ذلك إلى عدم سريان الأحكام عليه مؤقتًا إلى نهاية مدة عهده.
قال ابن قيم الجوزية:"الكفَّار إما أهل حرب وإما أهل عهد، وأهل العهد ثلاثة أصناف: أهل ذمة، وأهل هُدْنة، وأهل أمان .. وأهل الذمة لهم ذمة مؤبَّدة .. عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله؛ إذ هم مقيمون في الدار التي يجري فيها حكم الله ورسوله، بخلاف أهل الهُدْنة؛ فإنهم صالَحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم، سواء كان الصلح بمال أو غير"