الصفحة 110 من 156

يحجب عمي البصر رؤية الحق المبين ويصد عن التأمل فيه أنه يدرك أثره ويحس به كل من في السماوات والأرض )) .

وراع تلك التقابلات الفنية العجيبة بين طوعا ًوكرهًا والغدو والآصال والأعمى والبصير، والظلمات والنور، ونفعًا وضرًا والسماوات والأرض وافطن إلى أسلوب الاقتدار الذي تميز به أسلوب تلك الصور فهناك:

القصر والاختصاص في قوله: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وقد تستفيد هذا القصر من تقديم المعمول على العامل {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ} .

وهناك خروج الاستفهام عن حقيقته إلى معنى الإنكار في قوله: {أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} وهو من باب الاستعارة التبعية في الحروف القائمة على أساس تشبيه الشيء المعلوم الواقع الذي ينكره العقل السليم على فاعله المجهول الذي يستفهم عنه عادة أي هو إنكاره جدير بأن لا يقع في تصوير الإنسان أنه موجود أو يمكن وجوده، ولذلك يصح أن يستفهم عن وجوده والغرض الإنكار على فاعليه أو المتصف به.

وهناك في قوله تعالى: {خَلَقُوا كَخَلْقِهِ} وهذا التشبيه الغرض منه مجرد المماثلة.

وافطن إلى براعة الإيجاز أولا بحذف جزء الجملة في قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ} أي هو الله أو الله رب السماوات والأرض.

وثانيًا بطي كلام يمكن العلم به من ترتيب الأمور بعضها على بعض. ومنه ما يجيب به المشركون عند سؤالهم (من خلق السماوات والأرض؟ وهم سيقولون هو الله. أو عبارة نحوها. لأنهم ممن يقولن بذلك.

وتأمل بلاغة القصر في قوله تعالى: {الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16) } أخذًا من تعريف طرفي الإسناد وهو من باب قصر الصفة على الموصوف والقصر هنا إضافي لأن لله سبحانه صفات أخر يغير الوحدانية والقهر.

وفي قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} لأنه لما أضيف لفظة خالق إلى كل شيء كان في قوة قولنا: {اللَّهُ خَالِقُ} بل أقوى منه لأن القصر استفيد من مادة المضاف إليه الدالة على العموم نضأ والقصر هنا حقيقي ومن باب قصر الصفة على الموصوف أي ما خالق كل شيء إلا الله.

وافطن إلى أسلوب الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله: (( {أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} ثم قوله: {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ} والالتفات فن من فنون البلاغة زينه هنا طول الفصل بين الجملتين وكون الذين جعلوا لله شركاء في الربوبية قلة نادرة في العرب ولداك جاء الحديث عنهم بالغيبة بخلاف القسم الأول فهم معظم العرب ولذلك جاء الحديث عنهم بالخطاب [1] ) .

(1) انظر سورة الرعد دراسة لعبد الرحمن حنبكة ص 142 الطبعة الأولى 1391 هـ 1971 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت