الصفحة 42 من 156

الفصل الثاني

عناصر النظم في سورة الرعد

لم يغب عن الباحثين من علماء الأدب ونقاده أن الأدب يؤثر فينا باجتماع عنصرية الأصليين: اللفظ والمعنى، وإن كانت الحقيقة أن اللفظ والمعنى يمثلان تمثيلا كاملا ما يراد نقله إلى المتلقي فكرًا وعاطفة أو انفعالا، أو تخيلا، أو تصويرًا فهما في الحقيقة شيء واحد لا ينفصل أحدهما عن الآخر إلا كما تفارق الروح الجسد فتتركه موتًا ولا حياة فيه، ولا يستدل على الروح إلا إذا كانت متحيزة في ذات من الذوات أو جسد من الأجساد.

والفائدة كلها منوطة بالجملة التركيب، أما أجزاء هذا التركيب فإنها لا تغني وحدها.

ولكن مما لا شك فيه أن الكل تتكون قيمته بقيمة الأجزاء التي تكون منها هذا الكل، فإن البناء لا يكون سليمًا قويًا قادرًا على الحياة إلا بسلامة الدعائم التي أقيم عليها، وسلامة اللبنات التي تكون منها.

ومن هذا المنطلق تكلم أكثر علماء البلاغة في قيمة الألفاظ المفردة، لأن سلامة الكل تتبع سلامة الجزء فرب لفظة غريبة أو وحشية كدرت عبارة طويلة، وذهب سمات الحسن والجمال الذي اجتمع في كثرتها.

ومنذ قديم وجدنا من العلماء من تكلم في اللفظ الأدبي في حال إفراده، وجعل له صفات ومعالم تأكيد بها جودته، ويفضل بها غيره من سائر الألفاظ. ومن هؤلاء الباحثين: أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت 225 هـ) الذي صرح بمذهبه في تفصيل اللفظ، وتقدير العبارة، وغالي في هذا التفضيل حتى لقد ذهب إلى أن (( لمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي، وإنما الشأن في إقامة وزن الكلمة، وتميز اللفظ. وسهولته، وسهولة المخرج، وفي صحة الطبع، وجودة السبك [1] ) .

وقد اعتنق رأي الجاحظ كثير من علماء الأدب منهم أبو هلال العسكري (ت 395 هـ) إذ قال: (( ليس الشأن في إيراد المعاني، لأن المعاني يعرفها العربي والعجمي والقروي والبدوي، وإنما لشأن في جودة اللفظ، وصفائه وحسن بهائه ... ) ) [2] وهو بهذا ينقل رأي الجاحظ نقل يكاد يكون حرفيًا.

ومن هؤلاء النقاد الذين يقدرون اللفظ المفرد، ويجعلون له صفات ذاتية قدامة بن جعفر (ت 337 هـ) الذي يرى أن مقياس الحسن للفظ أن يكون سمحًا سهل مخارج الحروف من مواضعها عليه رونق

(1) انظر الحيوان للجاحظ ص 444 الطبعة الأولى 1287 هـ تحقيق فوزي عطوي مطبعة شركة الكتاب اللبناني بيروت.

(2) انظر الصناعتين لأبي هلال العسكري ص 63, 64 الطبعة الثانية تحقيق علي البجاوي ومحمد أبي الفضل أبراهيم مطبعة الحلب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت