الفصل الثالث
التصوير البياني في سورة الرعد
إن للعبارة القرآنية أسلوبها الفريد في التصوير البديع القائم على عرض النماذج الحية في الكون والإنسان، والأحاسيس والمشاعر. وفيما يكشف عن نعيم المؤمنين، ويصف عذاب الكافرين، وفيما يتعلق بوصف الجنة والنار وأحوال السعداء والأشقياء، وفيما يصور مدى علم الله بالغيب، وإحاطته المطلقة بحال الكون ومن عليه.
وقد عرضت سورة الرعد لكثير من المعاني التي عبر عنها بصورة رائعة تآلف نظمها واتسق على أروع طرق في التعبير الذي يرتقي (( بالصورة فيمنحها الحياة الشاخصة، والحركة المتجددة، فإذا المعنى الذهبي هيئة أو حركة، وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد، وإذا النموذج الإنساني شاخص حي، وإذا الطبيعة البشرية مجسدة مرئية [1] ) ، والطبيعة الكونية حية تنبض بالحركة المتوالية في أفق الكون الفسيح.
وإذا تدبرنا هذه السورة الكريمة استشعرتا عظمة التصوير البياني في ثنايا آياتها، وهي تعرض آيات الله ومظاهر قدرته في السماوات المرفوعة بغير عمد، والشمس والقمر كل منهما يسعى إلى غاية، وفي الأرض وبسطها وتثبيتها بالجبال الراسية، وجعل النهار، وبث الثمرات، وفي الليل والنهار يتعاقبان، وما في الأرض من حدائق وزروع، وفي البرق والخوف منه والطمع فيه، والسحاب وما ينزل منه من ماء، وجريانه في الأدوية سبلا ذا زبد أغير ذي ذبد وتصوير الرعد في صورة مسبح بحمد الله {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} وفي الصواعق وما يحدث منها.
وتلك الصور البديعة تعبر عنها، وترسم ظلالها الآيات الكريمات من قوله تبارك اسمه: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} .
وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (12) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (13) } وقوله تعالى: أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ
(1) انظر التصوير الفني في القرآن لسيد قطب ص 34.