الصفحة 89 من 156

زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ إلى قوله: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} .

وقوله عز وجل: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (41) } .

تلك سبع آيات تتحدث جميعها عن آيات الله في الكون، ومظاهر قدرته. وإذا تدبرنا المعاني التي أدت هذه الأغراض، وأسلوب الأداء لكل معنى من هذه المعاني. فسنجد الأسلوب القرآني فريدًا يمتاز على غيره من كل أسلوب، لتنوعه مرة بالحقيقة وأخرى بالمجاز، والتعبير بالمشاهد الحسية وباستثارة العقول، والاحتكام إلى العواطف وبالتخيل الحسن، إلى غير ذلك مما تفيض به الآيات من سبل التوضيح، ووسائل الإقناع والاستمالة من استعمال صورة المقابلة، والتجنيس، والكنايات، والاستعارات والتمثيل، وعموم وسائل البيان.

ولعل من أبرز ما يطالعنا في ثنايا هذه الآيات من وضوح التصوير الفني فيما ما تعتمد عليه من أسلوب التقابل والتضاد (( لأن المعنى يجر ما يقابله، والضد أكثر خطورًا بالبال، والعقل أسرع استجابة له، وهو الذي يوضح الفكرة، ويعين على فهمها ) )وبضدها تتميز الأشياء (( وأدراك الأضداد عملية ذهنية يسير لا تحتاج إلى الكد الفكر ) [1] وهذه الظاهرة تتبين في مقابل السماوات المرفوعة، بالأرض المبسوطة، وفي الليل والنهار، والخوف والطمع وفي يذهب ويمكث، كل هذا في تنسيق عجيب لبعض معالم الكون في عقد ذي تقابلات فنية رائعة، نلحظها في الرواسي الثابت، والأنهار، الجارية، وبين الزوج والزوج في كل الثمرات، وبين الليل والنهار، ثم بين مشهد السماء ومشهد الأرض كل ذلك في إطار متكامل المشهد والصورة في نمط من النظم والتأليف عجيب.

والتصوير الفني في قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} ... لآية قد اشتمل على وجوه كثيرة من البيان. فهناك - القصير في قوله: (( الله الذي ) )وهو قصر حقيقي استفيد من تعريف طرفي الإسناد (( الله ) (( الذي ) )وينجر القصر إلى تسخير الشمس والقمر لأنهما من ملحقات صلة الموصول أي الله وحده الذي رفع، واستوى، وسخر. وهناك الفصل بين الجمل في قوله: {تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) } ، والفصل هنا لكمال الاتصال لأن الجمال استئنافية وقعت جوابًا لسؤال سائل. ففي الأول كان سائلا قال: هل حال السماوات ظاهر أم خفي؟ الجواب (( ترونها ) )وفي الثانية: إن كل تلك الأمور من رفع واستواء وتسخير تحتاج إلى مدبر فمن هو؟ والجواب يدبر الأمر،

(1) انظر قدامة بن جعفر والنقد الأدبي للدكتور بدوي طبانة ص 278 الطبعة الثالثة المطبعة الفنية الحديثة 1389 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت