وفي الثالثة والرابعة: إن هذه الظواهر الكونية آيات مفصلات، فمن الذي فصلها، ولماذا؟ والجواب: {يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) } .
وفي قوله: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ} الآية فنون بيانية لا تقل عن سابقتها في الآية الأولى: فهناك الحذف في قوله: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا} ، إذ التقدير - ومياه الأنهار - لأن التمنن بالمياه أكمل من التمنن بأخاديدها، ولأن القدرة والحكمة في خلق الماء أثم منها في خلق الأخاديد [1] وهناك القصر الحقيقي الذي استفيد من تعريف طرفي الإسناد {وَهُوَ الَّذِي} في قوله: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ} ومجيء المسند إليه منكرًا للتكثير والتنويع في قوله: (( قطع. وجنات. وزرع ) )ثم هذه البلاغة التي تبدوا في تقديم المعمول على العامل، في قوله: (( قطع. جنات. وزرع ) )وفي ذلك رد خطأ المخاطبين إلى الصواب لأنهم كانوا يظنون أن الزوجين خاصان ببعض الثمرات دون بعض فبين لهم أن جميع الثمرات مكونة من زوجين اثنين ذكر وأنثى. والحظ ذلك الإيجاز البليغ في قوله: (( قطع متجاورات ) )فهاتان لفظتان أغنتا عن الأسباب بذكر قطع متلاصقة طيبة وسبخة، وكريمة إلى زهيدة، وصلبة إلى رخوة، وأخرى صالحة للزرع لا لشجر كل تلك المعاني والصفات جمعتها لفظنا قطع متجاورات [2] ، ويتدرج التعبير في الصورة من إيجاز إلى إيجاز على حد قوله تعالى: (( يسقى بماء واحد ) )فإن هذا التعبير القرآني يحمل في ثناياه (( لطائف بلاغية منها الدالة على لطف الله ووحدانيته وقدرته. وبيان الهدي والحجة الدامعة لمن ضل عن سبيل الله لأنه لو كان ظهور الثمر بالماء والتربة لوجب في القياس أن لا تختلف الطعوم والروائح ولا يقطع التفاضل في الجنس الواحد إذا نبت في مغرس واحد، لكن كل ذلك من صنع اللطيف الخبير ) ) [3] ودليل على عجيب قدرته، وهذه المعاني كلها أغني عن ذكرها التعبير بقوله: {يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ} هذا بالإضافة إلى ما يحوي هذا النمط الرائع مما يستشير الفكر ويبعث على التأمل الذي يقضي إلى الاعتراف بعظمة الخالق سبحانه.
والحظ دقة التصوير في تقديم ذكر الجنات غلي الزرع، والإتيان به مفردًا جريًا على الأصل لأنه مصدر، وعلى الرغم من أن الزرع عمود المعاش فقد قدم ذكر الجنات عليه تنبيهًا على دقة الصنعة، وإحكامًا فيما يجود به الله على عباده من خيرات، كالعنب، إذ في خلقته ما يبهر العقول، لكونه مياهًا متجمدة في أجسام رقيقة حلوة المذاق، وراع تأخير (( نخيل ) )فقد ذكرت بعد زرع لئلا يفصل بين الصفة والموصوف، وحتى لا يطول الفصل بين المتعاطفين، ثم إن في التعبير بالصفة دون الموصوف (( ما
(1) انظر الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز لعبد العزيز بن عبد السلام ص 203 ط دار الفكر بدمشق.
(2) الكشاف الزمخشري ص 349 ط دار الفكر بيروت.
(3) انظر البرهان للزركشي ص 426 جزء 3 تحقيق أبي الفضل إبراهيم. مطبعة الحلبي.