يعني عن ذكر الموصوف بغلبته وجمعه [1] ) وتأمل أسلوب التعريض بذم الكفار في قوله: (( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) ).
فإن هؤلاء حرموا أنفسهم نعمة العقل فعطلوا مقومات التفكير والتدبر، بل عطلوا العقل الذي ميزهم الله به على سائر المخلوقات.
إن الوجه التصويرية لقوله تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ} الآية لتحمل مشهد قديمًا مكرورًا منذ خلق الله السماوات والأرض، وهذا المشهد تمر عليه العين في غفلة والنفوس: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) } [2] * لكن التصوير يعرض هذا المشهد جديدًا معبرًا، وإنه لكفيل حين تتملاه العين أن يوقع في النفس أثرا وجدانيًا خاصًا، فهذه القطع المتجاورات من الأرض مختلفة في النبات، بل إن النوع الواحد منه ليختلف في الأشكال فمزدوج ومنفرد، وجميعه يسقي بماء واحد ولكن تختلف طعومه في المذاق وآيا ما كانت هذه الملاحظات فمردها الأول إلى المشاهدة، فمشاهدة هذه اللوحة الطبيعة التي تتوجه إليها الأنظار، لتراها بالبداهة المهمة، والحس اليقظ بعد أن تتملاها الأبصار، وكم في المشاهد المكرورة المألوفة ما يبدو جديرًا كأنما تتملاه العين أو مرة حين تتجه إليه بالحس الشاعر المتفتح، والعين المتيقظة للألوان بعد الغفلة الغالبة على بني البشر. وفي الأرض مشاهد كثيرة لعل من أشهد أثرًا في الحس والنفس )) [3] تلك الصورة العجيبة التي رسمتها الآية هنا وكان من أشد التصاقها بالإنسان كونها لصالح حياته ونفعه. وهكذا نري التصوير القرآني يتخذ الطبيعة ميدانًا يقتبس منه صورة من نبات وحيوان وجماد، بل نجد الآية الكريمة هنا تستمد عناصر التصوير من أقوى وأزكى عناصر الطبيعة (( وهو الماء ) )وفي ذلك سر خلود هذا التصوير فبالماء يحيا كل شيء.
واستشعر روعة التصوير في قوله تعالى: {يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا} ، {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ} ، {نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} )) وتأمل طريقة الإيضاح وكيفية أداء المعنى إلى الذهن من خلال هذه الصورة، إذ تلف في إطارها صورة تسبيح الرعد، ورؤية البرق، تلك صورة ينتج عنها هذا (( التقسيم الجميل الخوف ) ) [4] وأنعم النظر في تشبيه هزيم الرعد بصورة إنسان مسبح، وافطن لي التعبير بقوله: (( نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ) )كيف لاءمت كل لفظة أختها فإن عملية نقص الشيء كيفية أخذه من
(1) انظر روح المعاني للألوسي ص 92, 102 ج 13 مطبعة إحياء التراث العربي بيروت.
(2) * سورة يوسف الآية 105.
(3) التصوير الفني في القرآن لسيد قطب ص 59, 61, 1286 هـ.
(4) انظر الصيغ البديعي للدكتور أحمد موسى ص 33 الناشر دار الكتاب العربي القاهرة - 1388 هـ - 1969 م.