أطرافه لا من وسطه أو أعلاه: (( وإذًا ننقصها من أطرافها ) )وهذا التعبير مراد به نقص أهل الأرض بابتلائهم بالموت ونوائب الزمان، كأخذهم بالخوف والجوع، ونقص في الأنفس والثمرات.
ويمكن أن نستخلص من معالم الجمال التصويري في السبع الآيات السابقة في انتقال التعبير من إلى صيغة، وتنوع الأسلوب بين الخطاب، والإخبار وذلك من خصائص الإبداع في النظم القرآني حتى لا يسير الكلام على نمط واحد، فإن مثل ذلك الانتقال تجديدًا لنشاط السامع والقارئ. حتى يبدو الأسلوب أمر وضوح وإقناع أكثر مما هو مخاطبة للقلوب والعواطف، لأن التصوير في الآيات هنا كائن في مجال إثبات وحدانية الله تعالى وعظيم قدرته الظاهرة في تلك الآيات، والعلامات التي عددتها، وهذه الآيات، وإن كانت واضحة وضوح الشمس في رائعة النهار إلا أن أكثر هؤلاء الكفار والمشركين والمعاندين لا يؤمنون بموجدها وخلقها، فهم يرونها وكأنهم لا يرونها، ومن هنا انتظم التصوير في أسلوب الآيات من عقد رائع جميل يأتلف من:
1 -الأضداد والتقابلات الفنية العجيبة.
2 -أسلوب القصر والوصل والفصل.
3 -الإيجاز غير المخل.
4 -وأخيرًا ضرب الأمثال والتشبيهات المنتزعة من القريب المشاهد نلحظ ذلك في قوله تعالى: {أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} .
وإذا أمعنت النظر في إطار هذا التمثيل الذي يصور مثلا للحق، ومثلا للباطل أدركت بعضًا من أسرار الحكمة التي من تؤثر في النفوس والقلوب وتحولها مهيأة للقبول والإضافة إلى ما في التعبير بسيل الأودية من جمال المبالغة، فإن الأودية لا تسيل وإنما يسيل فيها الماء الغزير الذي أنزله الله من السماء، وذلك ضرب من البلاغة يسميه العلماء (( المجاز الحكمي ) ).
وتكاد لا تخلو سورة من القرآن من تشبيه أو مثل ذلك لأن هذا اللون من البيان ومن أشرف أنواع البلاغة، وأعلاها - قال المبرد: والتشبيه جار كثير في الكلام العربي حتى لو قال هو أكثر العرب لم يعد )) [1] .
وإذا كان المبرد قد خص كلام العرب بهذا الفن من الكلام فإن التشبيه غلب في أساليب الأدب والبيان عند سائر الأمم قديمها وحديثها على السواء، وذلك لما يؤديه التشبيه من الأغراض الكثيرة التي يحققها في صناعة الكلام ولا نجد مجالا يتسع للإضافة في هذه الأغراض .. وغاية ما نقول في هذا المجال إن القرآن الكريم قد عني بهذا الضرب من الأساليب الأدبية وأعني به فن التشبيه لتلك الأغراض التي
(1) انظر في تشبيهات القرآن لابن نافيا البغدادي ص 95.