يحققها في سائر ضروب التعبير، ومن ثم كانت العناية بالبحث البلاغي في التشبيه والتمثيل أثرًا من آثار العناية بالكتاب الكريم لسعة هذين الفنين في اللسان العربي، ولقوة تأثيرهما في النفوس. يقول الله تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} وقال: {وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَال} فامتن علينا بذلك لما تتضمنه الأمثال من الفوائد، فإنما يصار إليها لكشف المعاني وأدناه المتوهم من الشاهد [1] .
وتلك الصورة الرائعة في المثل الذي ساقته الآية الكريمة من قوله تعالى: {أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} .... الآية ينتظم إطاره من إسناد مجازي، وإسناد حقيقي، وذلك مندرج حيث يراد بالوادي الموضع الذي يسيل فيه الماء الكثير، أو يراد به الماء الجاري فيه فهو من إطلاق المحل وإرادة الحال وعلى الأول فالإسناد مجازي، وعلى الثاني فالإسناد حقيقي (( وإيثار التمثيل بالأودية على الأنهار المستمرة الجريان لوضوح المماثلة بين شأن الأودية، وشأن ما مثل بها ) ) [2] ثم إن التصوير هنا مشهد متكامل"تتملاه العين، والأذن، والحس والخيال، والفكر، والوجدان تصوير حي منزع من عامل الأحياء، لا ألوان مجردة، وخطوط جامدة تصوير تقاس فيه الأبعاد والمسافات بالمشاعر والوجدانات فالمعاني ترسم وهي تتفاعل في نفس أدمية حية أو في مشاهد من الطبيعة تخلع عليها الحياة" [3] وحول تلك الصور نذكر ما أشار إليه ابن الأثير وهو يتعرض لذكر حد الكتابة بقوله: حد الكناية الجامع لها هو: كل لفظة دلت على معنى يجوز حمله على جانبي الحقيقة والمجاز بوصف جامع بينهما ثم قال: وكذلك ورد قوله تعالى: {أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا} .
فكني عن العلم وبالأودية عن القلوب وبالزبد عن الضلال ويمضي ابن الأثير قائلا: (( وقد رأيت جماعة من أئمة الفقه لا يحققون أمر الكناية وإذا سئلوا عنها بالمجاز وليس الأمر كذلك. وبينهما وصف جامع كهذه الآية وما جرى مجراها. فإن يجوز حمل الماء على المطر النازل من السماء وعلى العلم وكلك يجوز حمل الأودية على مهابط الأرض، وعلى القلوب، وهكذا يجوز حمل الزبد على الغثاء الرابي الذي تقذفه السهول وعلى الضلال. انتهى كلامه ) ) [4] .
وأرى أن حمل هذه الآية على الكتابة بعيد ولعله من ابن الأثير دليل واحتجاج على ما ذهب إليه في تحديد معنى الكناية، إذ جعل لها جانبي حقيقة ومجاز ولا أثر لذلك في الآية الكريمة إذ التصريح فيها بالحقيقة ظاهر.
(1) انظر الإنفاق في علوم القرآن للإسيوطي ص 131 جزء 2 الطبعة الثانية 1343 هـ المطبعة الأزهرية بمصر.
(2) روح المعاني للألوسي ص 129. جـ 12 مطبعة إحياء التراث العربي ببيروت.
(3) انظر التصوير الفني في القرآن لسيد قطب ص 35.
(4) انظر المثل السائر لابن الأثير ... ص 204 تحقيق محي الدين عبد الحميد.