والذي يهمنا في هذا المقام هو استيفاء جوانب التصوير في هذا المثل الذي ضربته الآية الكريمة. وأول ما يستوقفنا من جوانب الإبداع ذلك التناسق العجيب بين تلك الصورة وما سبقها في السياق فأنزل الماء حتى تسيل به الوديان يتناسق مع جو البرق والرعد والسحاب الثقال في المشهد الكوني السابق الذي سبق للتدليل على قدرة الواحد القهار حيث تسيل هذه الأودية بقدرها كل بحسية وكل بمقدار طاقته وحاجته وكل ذلك يشهد بتدبير الخالق لكل شيء [1] .
إن الإطار يضم آية واحدة اشتملت على ثلاثة أمثال ضربه الله في مثل واحد يقول: كما اضمحل هذا الزبد فصار جفاء لا ينفع ولا ترجي بركته كذلك يضمحل الباطل عن أهله، وكما مكث هذا الماء في الأرض فأمرعت وربت بركتها وأخرج نباتها وكذلك الذهب والفضة حين أدخلا النار فذهب خبثهما كذلك يبقي الحق لأهله وكما اضمحل خبث هذا الذهب وتلك الفضة حين أدخلا النار كذلك يضمحل الباطل عن أهله )) [2] وأثر التلاحم ظاهر في جو الآيات ومن خلال ما صورته الآية بأسلوبها البديع المفاجئ فبعد جو المجادلة الذي أثير في الآيات قبلها تأتي المفاجأة في هذه الآية من قوله تعالى: {أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا} .
كأن السورة قد انتقلت إلى موضوع آخر جديد لا صلة البتة له بما قبله لكن لا يلبث هذا الانتقال في الأسلوب المفاجئ حتى يعود إلى الربط بصلب الموضوع ويستكمل مراحل مواجهة التحدي بين الحق والباطل وبين أنصار الحق وأعوان الباطل إذ يقول الله تعالى:
{كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ} ثم يقول: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} .
وهذه المرحلة جاء على صورة مثلين ماديين مشاهدين جمعا في صورة مثلين ماديين لتشابههما في الشكل والنتيجة. ولنقف على هذا التصوير بإمعان.
فالمثل الأول مشهد من المشاهد الكونية يعيشه الذين يقطنون البادية في الصحاري والقفار وبين السهول والجبال والوديان أنه يشهد مياه تنزل من السماء فتعمم السهل والوعر )) [3] .
والحظ في الإطار التصويري لهذا المثل تلك الألفاظ المتخيرة إلى تلائم الطبيعة الخشنة طبيعة البادية حيث القوة في ضجيج الجرس {أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} والقوة في الأداء فاحتمل السيل زبدًا رابيًا فلم احتمل دون جمل أنها قوة في التعبير تتبع قوة المعنى ثم انظر إلى وصف الزبد بقوله (( رابيًا ) )ففي ذلك بين للمحتمل وأنه لا وزن له فيمكث في الأرض، ولم تقل الآية فاحتمل السيل فوقه، وفي ذلك إيذان
(1) انظر الظلال لسيد قطب ص ... .
(2) الإتقان في علوم القرآن للأسيوطي ج 2 ص 132 ... البيان في تفسير أمثال القرآن لابن القيم بتصرف ص 13.
(3) انظر سورة الرعد دراسة لعبد الرحمن جنبكة ص 148.