الصفحة 95 من 156

بأن الفوقية مقتضى شأن الزبد لا من جهة المحتمل تحقيقًا للمماثلة بينه وبين ما مثل به من الباطل الذي شأنه الظهور في بادئ الرأي من غير مداخلة في الحق )) [1] .

ولاحظ طبيعة الألفاظ في الثاني من المشهد التصويري وهو قوله تعالى: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ} .

ولاستكمال الصورة تأمل مشهد تدفق المياه مجتمعة منحصرة بين الجبال هابطة من كل مرتفع حتى تملأ الأودية وتسيل عنيفة مخيفة حتى ليخيل للناظرين أن الأودية تسير معها وفي ذلك جو يكتنف النفس الإنسانية ويحيطها بشيء من الرغبة والرهبة وهذا من تأثير الأمثال.

ويتضمن المثل المركب في هذه الآية. إشعارًا بتشبيه الصراع بين الحق والباطل وبين أنصار الحق وأعوان الباطل بحالة الصراع بين الجواهر النافعة والشوائب المفسدة عند حركة السيل الجارف، وحركة الغليان في المعادن وأشبهها وتشبيه النتائج في كل من الممثل له بالنتائج في كل من الأمثال.

فإذا اعتبرنا هذا المثل المركب من باب التشبيه لقوله تعالى: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ} وقوله: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17) } فهو من تشبيه التمثيل لأن وجه الشبه فيه منتزع من متعدد. بل هو من روائع التشبيه الغني بالمقابلات الجزئية بين أجزاء من المشبه وأجزاء من المشبه به. مع الحركة المتتابعة العجيبة والنهاية الناطقة بالنتيجة التي فيها باسم لأنصار الحق ووعيد كالح لجنود الباطل. وأول هذه المقابلات الجزئية كون الحق والماء منزلين من السماء وعلى من يعيش في الأرض مقابل هذه النتائج إما بالحق الذي لا مرية فيه وإما بالباطل الذي هو زاهق لا محالة.

وانعم النظر في صورة تسبيح الملائكة وصور تسبيح الرعد. ففيهما من البديع الرائع (( إدماج الحديث عن الملائكة المسبحة من خيفة الله مع صوت الرعد المسبح بحمد الله استكمالا لعرض الصورة الحركية: ما يظهر منها لأعين الناس .. وما يخفي عنها مما يشاهده غيرهم ) ).

ولما استكملت الصورة كامل هيئتها وأعطت كل دلالتها على قدرة الله القادر على الإنعام والقادر على الانتقام. حسن التعريض التي ترافق تلك الظواهر في بعض الأحيان فتنزل بالهلاك على من يشاء الله هلاكه وحسن ختم هذه الصورة الرائعة بما يتصل بالأمر الذي سيقت من أجله وهو إقامة الدليل على قدرة الله تعالى: {وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (13) } فعلى الرغم من كل هذه الأدلة المنبثة في الكون يجد الكافرون لأنفسهم مجالا للمجادلة في ذات الله وفي صفاته وفي قدرته على بعثهم، وحينما تضيق بهم الحجة يبيتون ألوان الكيد للرسول الكريم ولرسالته وللمسلمين [2] وتصرفهم هذا عناد

(1) انظر تفسير أبي السعود ص 213.

(2) انظر سورة الرعد دراسة لعبد الرحمن حنبكة ص 116.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت