وإعراض عن الله قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) } [1] .
ومن بين الصور البديعة الرائعة ما تضمنته بعض آيات هذه السورة الكريمة عن الغيبيات التي ضم إطارها بيان انفراد الله سبحانه بعلم الغيب، وإحاطته بكل ما في الكون من إنسان أو حيوان أو جماد، وما تحمل كل أنثى وما في الأرحام من أنواع الحمل، وعلم الغيب والشهادة: {لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ} وتلك الصورة تجمعها الآيات الكريمات من قوله تعالى: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11) } وقوله تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) } .
وقوله في سياق آخر: {وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43) } . هنا سبع آيات تحدثت عن الأمور الغيبية، في إطار بديع محكم يصور مدى علم الله المحيط بكل شيء. فلنتفحص جوانب الإبداع التصويري في هذه اللوحات القرآنية الشفافة.
لعل من أبرز خصائص الإبداع التصويري في قوله تعالى: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ} لجوء الآية هنا إلى أسلوب التقابل الفني بين لفظتي، تفيض وتزداد، وما تحمله كل من هاتين اللفظتين من معاني كثيرة كفي عن سردها وذكرها التعبير بهما متقابلين، فإن مما تنقصه الأرحام وتزداد: عدد الولد، وهيئة جسده، فتمام الخلقة، أو مخدج، ومنه مدة ولادته، فقد تكون لتسعة أشهر، أو أقل أو أزيد إلى سنتين عند أبي حنيفة، وأربع عند الشافعي، وخمس عند مالك، زمنه الدم فإنه يقل ويكثر، وقبل هذا كله علم الله المحيط بما في هذه الأرحام من جنس الولد، أذكر أم أنثى؟ وما يتبع
(1) سورة يوسف الآية 105.