الصفحة 97 من 156

ذلك من صفات الحسن والقبح والطول والقصر، وكل صفة أو حال حاضرة أو مترقبة. كل هذه المعاني عبر عنها بلفظتين اثنتين فما أدقه من تصوير، وما أروعه من إيجاز )) . [1]

وفي هذا التصوير العجيب، عن مدى علم الله بالغيب، وأحاطته بكل شيء يقف الحس مشدوها يرتعش تحت وقع هذه اللمسات العميقة في التصوير وتحت هذه الإيحاءات الصوتية العجيبة في التعبير نعم يقف مشدوهًا وهو يقفو مسارب علم الله، ومواقعه وهو يتتبع الحمل المكنون في الأرحام، والسر المستور في الصدور {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور} .

يقف الحس مشدوهًا وهو يتبع الحركة الخفية في جنح الليل وسروب النهار، وكل مستخف، وكل سارب، وكل جاهر، وكل هامس.

إن هذه كله مكشوف تحت المجهر الكاشف يتتبعه شعاع من علم الله، وتتعقبه حفظة تحصي الخواطر والنوايا. إلا أنها الرهيبة الخاشعة، التي لا تملك النفس معها إلا أن تلجأ إلى الله تطمئن في حماه، وأن المؤمن بالله ليعلم أن علم الله محيط بما في الظاهر والخفي، ولكن وقع هذه القضية الكلية في الحس. لا يقاس إلى وقع مفرداتها كما يعرض السياق بعضها في هذا التصوير العجيب: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى} حين يذهب الخيال يتبع كل أنثى في هذا الكون المترامي الأطراف، كمل أنثى في الوبر المدر، في البدو والحضر في البيوت والكهوف، والمسارب والغابات، ويتصور علم الله محيطًا بهذه الأجنحة في خفاياها، وإطلاعه على كل دانق منها، لا يملك المؤمن إلا أن يقول: سبحانك [2] .

إن هذه الصورة البيانية عن علم الله سبحانه بالغيب تأتي ختامًا للسورة (( بحكاية إنكار الكفار للرسالة المحمدية وقد بدئت السورة بإثبات الرسالة فالتقي البدء والختام ويشهد الله مكتفيًا بشهاداته. وأنه تعالى هو الذي عنده العلم المطلق بهذا الكتاب وبكل كتاب. وتلك الصورة جاءت آية في الأحكام والتناسب إذ ختمت بها آيات السورة الكريمة التي تزخر بكثير من القضايا قضية الوحي والرسالة وقضية الشركاء، وقضية الوعد والوعيد للكفار وطلبهم المعجزات من الرسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاءت تلك الآية الكريمة حاسمة لكل تلك القضايا مكتفية بعلم الله وشهادته سبحانه التي لا يعد لها: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ(43) } وتأمل في إطار تلك الصورة المبتدأة بفعل الأمر (( قل ) )تلك اللفظة التي هي واسطة العقد في تركيب هذه الآية فكأنما تبقي النفوس متطلعة لما سيرد على الكفار في قولهم لست مرسلا وكأنما يتطلع إلى نتيجة ذلك الاعتراض ولما جاءت هذه اللفظة التي هي فعل الأمر (( قل ) )انتزعت من النفوس كل تردد واضطراب نعم قل كفي بالله لا غيره شهيدًا على ما أقول. وعلى صدق رسالتي. وأمضي متتبعًا جزئيات هذه الصورة البيانية في سياق

(1) انظر الكشاف للزمخشري ص 351 طبعة دار الفكر بيروت.

(2) انظر تفسير سورة الرعد في الظلال لسيد قطب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت