الصفحة 98 من 156

الآيات من قوله تعالى: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} .

وانظر جلال المشهد التصويري وعظمته حين (( يذهب الخيال يتتبع كل هامس، وكل جاهر، وكل مستخف وكل سارب في هذا الكون الفسيح الهائل. ويتصور علم الله جلت قدرته يتعقب كل فرد من بين يديه ومن خلفه ويقيد عليه كل شاردة وكل واردة آناء الليل وأطراف النهار.

إن اللمسات التي رسمتها تلك الصورة عن آفاق الكون ليست بأضخم ولا أعمق من هذه اللمسات الأخيرة. في أغوار النفس والغيب ومجاهيل السرائر، وأن هذه لكف لتلك في مجال التقابل والتناظر )) [1] .

وأن لأسلوب التعريف والتنكير في بعض الألفاظ التي يشملها إطار هذه الصورة لمزية تخلع على المشهد مزيدًا من الإبانة والإيضاح. فقد جيء بالسر والجهر معرفين بالاسم الموصول (( من ) )في قوله تعالى: {أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ} إشارة إلى أن كلا منهما قاصد لما كان منه من أسرار وجهر فكأنه بقصده ميز نفسيه بتعريف. وأما قوله تعالى: {مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} فقد عرف المستخفي بالوصول (( من ) )لأن المستخفي هنا قاصد للتواري والخفاء متتبع له وبذلك ميز بالاستخفاء الذي لا يجديه فاستحق أن يشار إليه بأن معروف غير مجهول ولكن الذي يلفت النظر هو قوله تعالى: {وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) } إذ لم يأت فيه لفظ (( سارب ) )معرفًا بل جاء منكرًا، وكان الغرض من تنكيره بيان إيراده قد كان لاستكمال الطرفين المتضادين بالتسوية، وليس الغرض تنبيهه إلى أنه معلوم غير مجهول لأنه في الأصل لا يقصد خفاء نفسه، ولا إظهارها وإنما هو سارب من الساربين، فهو واحد من كثيرين أعمالهم معلومة لله تعالى )) [2] .

والخط ذلك الإبداع في دقة التصوير من خلال طرف المبالغة (( في جانب المخاطب ) )، حيث جاءت تلك المبالغة مدمجة في المقابلة والمعنى أن هذا الظهور وهذا الاستخفاء متعذر على الناس الذين يدركون بحواسهم ما يظهر لهم ويغيب عنهم ما لا تقع عليه أبصارهم.

أما علم الله فلا مبالغة فيه إذ هو جار على الحقيقة التي لا مراء فيها لأن الله سبحانه يعلم السر وأخفى من السر، فليس ذلك متعذرًا عليه جل ثناؤه )) [3] .

ويمكننا استخلاص ما اشتملت عليه طريقة الأداء في هذه الصورة من وجوه البيان فيما يلي:

1 -التقابل بين الألفاظ، والتركيب: إليك لفظ تغيض يقابل لفظ تزداد، وكذلك الغيب والشهادة، وأسر وجهر، ومستخف وسارب الليل والنهار.

(1) انظر الظلال لسيد قطب ص 75, 76.

(2) سورة الرعد دراسة لعبد الرحمن حنبكة ص 96.

(3) البرهان للزركشي ص 53 الجزء الثالث تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم الطبعة الثانية 1391 هـ مطبعة الحلبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت