وفي التركيب قوله: {مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ} بقوله: {وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) } ومن بين يديه، يقابله ومن خلفه.
2 -مراعاة النظير في قوله تعالى: {الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) } بعد قوله: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} ، فكونه سبحانه يعلم الغيب والشهادة فإنه يناسبه من أسمائه الحسنى في هذا المقام قوله: {الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) } .
3 -قوة التأكيد في التخصيص الذي يؤديه قوله تعالى: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى} فإنه تأكيد بالجملة الاسمية إفادة تقديم اسم الله تعالى الذي أسند إليه العلم بالغيب في هذه الآية مرتين:
الأولى: إذ جعلت جملة (( يعلم ) )خبر عن لفظ الجلالة.
الثانية: إذ كان فاعل يعلم ظهيرًا مستترًا يعود على الله.
وإليك تلك الصورة العجيبة عن علم الله بالغيب، وإحاطته بكل شيء إذ يقول تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} ... إلى قوله: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) } تأمل مشهد تلك الصورة البيانية المؤتلفة من القيومية لله وحده. (( فكل نفس عليه حارس قائم عليها مشرف ومراقب يحاسبها بما كسبت ومن هو؟ إنه لله وحده فأنه نفس لا تأخذنها هذه الصورة وهي في ذاتها حق، وإنما يجسمها التعبير القرآني للإدراك البشري الذي يتأثر بالحسيات أكثر مما يتأثر بالتجريدات. أفذلك كذلك؟ ثم يجعل الكفار لله شركاء وهنا يبدو تصرفهم مستنكرًا مستغربًا في ظل هذا المشهد الشاخص المرهوب: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ} والله وحده القائم على نفس بما كسبت لا تفلت منه ولا تروغ. ويمضي السياق المبدع في التصوير فيرسم ظل التهكم المر بهؤلاء في قول الله تعالى: {أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ} وينتهي هذا التهكم بالتقرير الجاد الفاصل في قوله: {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ(33) } .. فالمسألة إذًا إن هؤلاء الكفار ستروا أدلة الإيمان وجهدوا نفوسهم عن دلائل الهدي فحقت عليهم النهاية الحتمية إظلال الله لهم وتعذيبهم: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) } . [1]
وتأمل الإطار لتلك الصورة كيف زخر بصور بلاغية تبرز في وضع الموصول موضع المضمر في قوله: {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} وفي هذا الأسلوب ذم للكفار وتسجيل عليهم.
وكذلك في وضع المظهر موضع المضمر في قوله: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ} وفي ذلك تنصيص على وحدانية الله ذاتًا واسمًا وتنبيه على اختصاصه باستحقاق العبادة مع ما في هذا الأسلوب من البيان بعد
(1) انظر الظلال لسيد قطب الجزء الرابع ط دار الشروق.