ويمضي السياق مصورًا حال الموحدين المؤمنين بالله وصفاتهم الإيمانية التي هي الصفات الحقيقة للمؤمن الحق.
ونلحظ تلك الصفات وأهلها في الآيات الكريمات من قوله: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} ... إلى قوله تعالى: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) } .
إن مظاهر التلاحم في نظم هذه الآيات ليأتي متناسقًا تمام مع موضوعات السورة الكريمة. (( فبعد المشاهد التصويرية الهائلة في آفاق الكون وفي أعمال الغيب وفي أغوار النفس التي استعرضها شطر السورة الأول يأخذ شطر السورة الثاني في تصوير لمسات وجدانية وعقلية تصويرًا رقيقًا دقيقًا مبتدأ بقضية الوحي والرسالة: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} فهنا لمسة في الطبيعة الإيمان وطبيعة الكفر. الأولى علم والثاني عمي. ويمضي خط السير في تصوير طبيعة المؤمنين والصفات المميزة لهم والتي أولها علمهم الإيماني بوحدانية الله وما نزل من عنده على رسوله صلى الله عليه وسلم، وإشعاع هذا العلم في مقابل ظلال الجهل والعمى الذي لم يهد عقل صاحبه إلى نور الإيمان، وفي هذا أسلوب عجيب في لمس القلوب وتجسيم الفروق، وهو الحق في الوقت ذاته لا مبالغة فيه، ولا زيادة، ولا تحريف.
فالعمى وحده هو الذي ينشي الجمل بهذه الحقيقة الكبرى الواضحة التي لا تختفي إلا عمي على أعمى، وإذًا فالناس إزاء هذه الحقيقة الكبرى صنفان: صنف يعلم لهو مبصر مؤمن، وصنف التوى به الطريق فهو أعمى قد ظل سبيل الحق، ولا يستويان مثلا.
والعمى عمي البصرة، وانطماس المدارك، واستغلاق القلوب، وانطفاء قبس المعرفة في الأرواح انفصالها عن مصدر الإشعاع الذي تستنير به القلوب {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) } .
ولكن إنما يتذكر أولو الألباب الذين لهم عقول وقلوب مدركة تذكر بالحق فتتذكر، وتنبه إلى دلائله فتتفكر، وهذه صفات أولي الألباب الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، وهنا تنتقل الصورة مجسدة بعض صفات المؤمنين التي من أزكاها وفاؤهم. بعهد الله هذا العهد الذي أجملته الآية الكريمة فإنه عهد الله المطلق الذي يشمل كل عهد، وميثاق الله المطلق الذي يشمل كل ميثاق.
والعهد الأكبر الذي تقوم عليه العهود كلها هو عهد الله مع بني آدم كلهم، إذ استخرجهم من ظهر أبيهم كالذر، ثم أشهدهم على أنفسهم: (( ألست بربكم ) )قالوا بلى، إنه عهد الإيمان، والميثاق الأكبر الذي تتجمع حوله المواثيق كلها، هو ميثاق الوفاء بمقتضيات هذا الإيمان.