الصفحة 112 من 156

والتصوير البديع هنا انتظم لفظتين اثنتين هما العهد والميثاق، وصدرهما بلفظتين اثنتين هما (( يوفون ) )ولا ينقضون هكذا في إجمال تبقي النفس إزاء هذا التصوير معلقة تشرئب إلى الوقوف على نوعيه هذا العهد، وهذا الميثاق وهذا خصائص الأسلوب القرآني إذ أحيانا ًيجمل ثم يفصل، وأحيانًا جمل دون تفصيل لتبقي نفس القارئ والسامع معلقة بها الأسلوب تبحث عما وراءه من أحداث.

ويرتب الخط التصويري على العهد الإلهي والميثاق الرباني كل العهود والمواثيق مع البشر سواء مع الرسول صلى الله عليه وسلم أو مع الناس ذو قرابة أو أجانب أفرادًا أم جماعات فالذي يرعى العهد الأول حري بأن يرعى سائر العهود لأن رعايتها فريضة، والذي ينهض بتكاليف الميثاق الأول يؤدي كل ما هو مطلوب منه للناس لأن هذا داخل في تكاليف الميثاق.

فانظر لدقة هذا التصوير كيف يبرز القاعدة الضخمة الأولى التي يقوم عليها بنيان الحياة كله أنها عهد الله سبحانه وميثاقه. ثم يقرر هذه القاعدة في ثلاث كلمات من قوله تعالى: (( {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ(21) } نعم يصلون ويخشون ويخافون.

هكذا في إجمال: لأن التفصيل يطول وهو غير مقصود إنما المقصود تصوير الاستقامة المطلقة التي لا تلتوي والطاعة المطلقة التي لا تفلت والصلة المطلقة التي لا تنقطع ... ويلمح عجز الآية إلى الشعور المصاحب في نفوسهم لهذه الطاعة الكاملة.

ويتبع تلك الصفات المطلقة صفات أخر للمؤمنين يجسدها التصوير القرآني في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) } صفات أربع ينتظمها التصوير في:

1 -الصبر.

2 -إقامة الصلاة.

3 -الإنفاق في طريق مشروع.

4 -درء السيئة بالحسنة.

ومثل تلك الصفات لا تصدق إلا على عباد الله المؤمنين الصالحين الذين شعارهم الإيمان، ودثارهم التقوى ودينهم الطاعة الدائمة.

ما أروعه من تصوير، فلقد عبرت الآيات السابقات عن بعض صفات المؤمنين: من خوف، وجشعة، ووفاء بالعهد والميثاق وهذه الصفات يستلزمها التحلي بصفة الصبر، وإقامة الصلاة، والإنفاق المشروع، ودرء السيئة بالحسنة، وقد جاءت مرتبة في العقد التصويري من الآية، وهذا الصبر جاء مجملا فهو صبر على طاعة الله وصبر عن محارم الله، وصبر على أقدار الله ثم يلي ذلك صفة إقام الصلاة، ويبرزها التصوير لكونها مطهر التوجه الخالص والعبودية الكاملة، ثم يتبعها السياق بذكر صفة الإنفاق مما رزق المؤمنون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت