الصفحة 113 من 156

سرًا وعلانية، وهنا تبرز الصلة بين عباد الله التي تجمعهم في الله، وهم على قيد الحياة تلك السمة العالية التي نفس معطيها من البخل، وتزكي نفس آخذها من الغل، وهذا الإنفاق المشروع أثارته الآية في السر حيث تصان الكرامة، وتطلب المروءة وتتحرج النفس من الإعلان به.

وفي العلن حيث تطلب الأسوة، وتنفذ الشريعة، والكل موضعه في الحياة .. وأخيرًا لاحظ تلك الصفة التي تنحسر دونها الأطماع فمن ذا الذي يصل إلى درء السيئة بالحسنة إلا مؤمن يقابل بالحسنة في معاملاته مع الناس ابتغاء وجه الله.

أما في دين الله فلا، لأن المستعلي الغاشم لا يجدي مع هذا الخلق وإنما أولي به الدفع الصارم والأخذ الحاسم.

هؤلاء المؤمنون الذين هذه صفاتهم، ما مكانتهم عند الله؟ وما جزاؤهم؟ هنا ينتقل السياق مصورًا هذا الجزء في قوله تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} .

انظر إلى هذا المشهد وتأمل التعابير التي رسمته فكأنما تعيشه الآن، وكأنما تراه حاضرًا وتسمع الملائكة وتراهم أطوافا محيين ومرحبين سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.

إنه مشهد حي يأتلف فيه جميع المؤمنين، ويلتئم شملهم بالصالحين من آبائهم، وأزواجهم وذرياتهم الذين فرق الموت بينهم، إنه مهرجان حافل باللقاء والتسليم، والحركة الدائبة والإكرام" [1] ثم هذه الجنة التي يدخلونها ما صفتها وما الخير الذي وعدوا به.؟"

سبحانه: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) } .

وقد أعان على دقة التصوير ووضوحه تنوع الأسلوب، فهناك الاستفهام الإنكاري في قوله: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} والمتأمل يدرك سر تصدير الآيات بهذا الاستفهام إذ أن الذي يستفهم عنه هنا، يؤمن به العقلاء، وينكره عيرهم تكبرًا وعنادًا وإعراضًا عن الحق وهذا من عمي البصيرة والبصر، فكأن أعينهم في غطاء من ذكر الله تبعا ًلقلوبهم المغلفة بحجاب الكفر والضلال.

انظر إلى جمال الاستعارة في قوله: {كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} تلك التي أخرجت المعنوي في الصورة المحسوس فقربته إلى الذهن والقوة التي يفيدها القصر في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) }

(1) انظر تفسير سورة الرعد في ظلال القرآن لسيد قطب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت