الصفحة 114 من 156

وقد أفاد هذا القصر التعريض بذم الكفار فهم لا يتذكرون، ولا تنفهم الذكرى (( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) ).

(( وقد زاد هذا التعريض حسنًا استعماله بطريقة القصر بإنما [1] وقد خص الله تعالى الألباب وحدها بالذكر دون سائر الجوارح، لأنها محل التدبير والهداية، ولأن العقل هو النعمة الكبرى التي خص الله بها الإنسان دون سائر المخلوقات.

وتأمل بلاغة الإيجاز في قوله تعالى: {يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} (( فتحت ذلك صلة الأرحام والقرابات، وتحته الصلة القائمة بين الناس بسبب الإيمان، وذلك بالإحسان إليهم قدر الطاقة، ونصرتهم، والنصيحة لهم فتلك أوثق عري المحبة [2] ) وكذلك في قوله تعالى: (( سلام عليكم بما صبرتم ) )فقد أكبر هذا الإيجاز من معنى التسليم الذي هو حفاوة خالصة هنا يرتقي الخط التصويري إلى أبدع الصفات التي تمس الأعماق، وتثير العواطف فيضرب مثلًا أعلا لصفة هذه الجنة على حد قوله: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} فإن مما يمتع النفوس والقلوب ذلك المشهد الخلوب الرائع مشهد الأنهار الجارية ذات الإمتاع والاسترواح يصورها السياق فيجعل منها مكانًا يبدو للعين، وكأنه جار وإنما يجري فيه وأخيرًا تذيل تلك الصورة بقوله تعالى: {تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (35) } إنه تقابل في الجزاء وفق تقابل في العمل الذي يرسم معناه هذا التصوير البديع القائم على التفصيل والبيان. فقد أعطي الجنة في التعبير بعض الصفات المشوقة إليها والمرغبة فيها فقال: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} .

وربما كان إيراد الأكل والظل، والأنهار الجارية، وغير ذلك من النعيم المادي لمخاطبة البشر بما يفقهون. وبما يتصورونه سببًا من أسباب النعيم في الحياة الدنيا، وإلا فإن نعيم الآخرة لا يحد بتلك الصفات والنعم ففي الجنة (( ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) )كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم وهنالك السعادة الكبرى برضوان الله ورحمته كما قال: (( ورضوان من الله أكبر ) ).

وقبل أن تغادر هذه الصورة عن حال المؤمنين إلى من في الضفة الأخرى المقابلة لهم من المشركين، ويجب أن نلقي على الإطار اكتفت تلك الصورة نظرة فاحصة، لنري دقة الإحكام البديع، الذي به ثم الوضوح، وتعانقت الجزئيان مع الكليات في نسق يمتع النفوس ويستقر في الأذهان.

(1) الإتقان للسيوطي الجزء الثاني ص 49.

(2) انظر تفسير سورة الرعد في الكشاف للزمخشري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت