إن من أبرز خصائص الإبداع في التصوير القرآني لهذه الآيات. قوة الربط مع ما بدأت به السورة الكريمة إذ قال الله تعالى - في مطلعها: (( تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ) )ثم ابتدأ وصف المؤمنين بشأن المنزل في سياق النص من قوله يبتدرها الملائكة إكرامًا لأولئك المؤمنين، ونكرة للتنويع والشمول، (( وفي الآية تقييد يقطع الأطماع الفارغة لمن يتمسك بمجرد حبل الأنساب ومحل هذا التقييد قوله تعالى: (( وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ) ) [1] .
وفي قوله سبحانه: (( أكلها دائم وظلها ) )إيجاز بحذف الخبر إذ التقدير وظلها دائم.
وانظر لجمال تلك التقابلات الفنية العجيبة في سياق الآيات بين السر، والعلانية، والسيئة والحسنة، وتأمل (( تقديم المجرور في قوله: (( ويدرءون بالحسنة ) )على المنصوب في قوله: (( السيئة ) )ففي ذلك إظهار لكمال العناية بأمر الحسنة وشرفها )) [2] .
وعلى الضفة الأخرى، المشركون بالله، وحالهم، ووصف عذابهم في مقابل حال المؤمنين الموحدين، ووصف نعيمهم.
وحين يعرض السياق لتصوير حال هؤلاء المشركين، نرى الخط التصويري يجمل ثم يفصل، متخذًا أساسًا يفرع منه عاقبة المشركين كما تتخذ أساسا يفرع منه جزاء المؤمنين، وكلا الحالين في إجمال وتفصيل، بأسلوب ذي تقابل فني في المبني والمعنى، فبعد أن فصل حال المؤمنين وبينها في تسع صفات هي:
1 -وفاؤهم بالعهد.
2 -عدم نقضهم الميثاق.
3 -وصلهم ما أمر الله به أن يوصل.
4 -خشيتهم ربهم.
5 -خوفهم سوء الحساب.
6 -صبرهم ابتغاء وجه الله.
7 -إقامتهم الصلاة.
8 -إنفاقهم سرًا وعلانية.
9 -درؤهم السيئة بالحسنة.
بعد هذا التفصيل والبيان، أخذ السياق في حصر صفات أولئك البعداء الأشقياء الكافرين بالله. فهم:
(1) انظر تفسير أبي السعود ص 218 وما بعدها.
(2) انظر تفسير أبي السعود ص 218 وما بعدها.