ومنها ما يصوره السياق معجلا به أو واعدًا بحلوله في الحياة الدنيا نعم يقول الحق جل وعلا: {وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ} . فلندعهم إذًا لأمر الله، وإذا كان الله قدر أن لا يهلكهم هلاك استئصال في حين واحد كبعض الأقوام قبلهم، فإذن قارعه من عنده بعد قارعة تنزيل بهم فتصيبهم بالضر والكرب، وتهلك من كتب عليه منهم الهلاك، أو تحل قريبًا من دارهم، فتروعهم، وتدعهم في قلق وانتظار لمثلها. وفي ذلك ترهيب لهم لعلهم يقلعون عن غيهم وعن وتأمل هذا الأسلوب من قول الله سبحانه: {لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ، فهو أول وعيد صريح يلعنه الله في هذه السورة الكريمة بمعجل العذاب في الحياة الدنيا للكافرين بعد كل ما سبق فيها من التلويح به في معارض القول )) [1] .
وقد اعتمد التصوير البياني في هذه السورة على أسلوب (( الاختصاص ) )كما في قوله تعالى: {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى} ، أي هم مختصون فلا تكون لغيرهم، وقد استفيد هذا الاختصاص من تقديم ما حقه التأخير وهو الخبر على المبتدأ، إذ وجه الإعراب للذين جار ومجرور خبر مقدم، واستجابوا لربهم صلة الموصول، والحسنى مبتدأ مؤخر )) .
ولوضع الاسم الموصول في قوله: {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا} موضع المؤمنين، وفي قوله: {وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا} )) موضع الكافرين، إشعار بأن مضمون الصلة هو السبب فيما ترتب لكل من الفريقين من جزاء.
وتأمل حسن هذه الاستعارة في قوله تعالى: {وَبِئْسَ الْمِهَادُ} إذ أطلق لفظ المهاد وهو المكان الممهد الموطأ، وأريد به مكان تعذبهم في جهنم غير الممهد ولا الموطأ، والغرض من هذه الاستعارة التهكم والاستهزاء، فليس ما وعدوا به خيرًا مما هم فيه من حال وسوء مآل )) [2] .
ولو أردنا تقصي بدائع التصوير في كل آية سبقت لوقفنا أمام جلال القرآن وروعته مبهورين، فما ذكرناه قليل من كثير من روائع الفن البلاغي الذي تزخر به كل آية بل كل جملة من تراكيب القرآن الكريم.
(1) سورة الرعد دراسة لعبد الرحمن حنبكة ص 233.
(2) المصدر السابق ص 180, 181.