وكلام الخطابي هنا يدعو إلى النظر والتثبت، إذ يوهم بالتفاضل على حد قوله: (( فأخذت بلاغة القرآن من كل قسم حصة، ومن كل نوع شعبة ) )ويفهم من كلامه هذا، أن بعضًا من القرآن الكريم في الدرجة العليا من البلاغة وبعضًا منه في الدرجة الوسطى، وأن منه ما هو دون هاتين الدرجتين.
والذي نراه: أن بلاغة القرآن في الدرجة العليا، ولا امتزاج في آياته وكافة سوره بشيء من هذه الأوصاف التي قررها دون شيء، ولو استقر رأي الخطابي على أن القرآن إنما هو في الدرجة العليا من البلاغة لما حصل فيما قاله ما يوهم بالتفاوت، ألم يقل بما ذهب إليه الرماني في رسالته (( النكت ) )بأن درجات البلاغة ثلاث: منها ما هو في أعلى طبقة، ومنها ما هو في الوسائط بين أعلى طبقة وأدنى طبقة. فما كان منها في أعلى طبقة فهو معجز، وهو القرآن!
وممن قال بالتفاصيل في بلاغة القرآن وفصاحته (( ابن سنان الخفاجي ) )إذ يقول: (( إن زيادة بعض القرآن على بعض في الفصاحة أمر ظاهر لا يخفي على من علق بطرف هذه الصناعة، وشدا شيئًا يسيرا. وما زال الناس يفردون مواضع من القرآن يعجبون منها في البلاغة، وحسن التأليف كقوله تعالى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ} ... ) )الآية. وقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} الآية. {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} وقوله عز وجل: {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ} الآية، وقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يا أولي الألباب} .
وأمثال هذا ونظائره كثيرة. فلو كانوا يذهبون إلى تساويه في الفصاحة لم يكن لإفرادهم هذه المواضع المعنية المخصوصة دون غيرها المعنى )) [1] .
عجيب أمر الخفاجي في هذا الاستدلال! إذ كيف يسلم أحد بتفاوت القرآن الكريم في الفصاحة لمجرد أن السابقين استدلوا على ذلك بهذه الآيات ونظائرها وخصوصًا دون غيرها بالمزية؟ هل كان في وسع الخفاجي الإحاطة بكل ما أثر عن السابقين من شواهد في دراساتهم القرآنية حتى يسوق هذا شاهدًا على ما ذهب إليه.
إن الاستدلال على فصاحة القرآن كله، وتساويه فيها قار في ثنايا مؤلفاتهم، مستشهدين بهذه الآيات وغيرها من آي الذكر الحكيم، ثم إن ما ذهب إليه في هذا الاستدلال صريح باختلاف الآية القرآنية بل الآيات مبني ومعنى وحكمًا. فكيف ذلك والله جل ثناؤه يقول: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) } ؟
(1) راجع سر الفصاحة لابن سنان الخفاجي ص 215, 216 شرح وتصحيح عبد المتعال الصعيدي مطبعة صبيح 1389 هـ.