وإذ يفرد الدارسون آيات معدودات من القرآن الكريم مأخوذين ببلاغتها، ومسحورين ببديع تأليفها، فليس معنى هذا الإعجاب أن غير هذه الآيات لم يقع من نفوسهم هذا الموقع، أو لم يجدوا فيه قوة الإعجاز التي وجدوها فيما مثلوا به.
ولكن الحقيقة أن ما أفردوه بالاستشهاد إنما كان نماذج لغيره من آيات الكتاب الكريم المساوية في الروعة والجمال.
والمألوف المعهود عند كل باحث ودارس أن يجتزئ بمثل هذه النماذج ليدل بالقليل على الكثير، إذ أن باحثًا ما لا يمكن أن يحصي كل ما يريد لأنه هنا وفي القرآن بالذات سيضطر إلى أن يكرر ويعيد، لأن الحكم واحد في جميع الأحوال والاستشهاد لا يقتضي الخصوصية، وذلك مألوف في كل علم وفي كل فن.
ثم أن الاستشهاد يختلف باختلاف المستشهدين أو المحتجين، وباختلاف الموضوعات التي يستشهد عليها بآيات القرآن، فإن آيات الاستشهاد مفرقة في أنحاء المعرفة وآثارها فهنالك آيات استشهد بها في المسائل الفقهية، واستخراج الأحكام، وآيات استشهد بها على سلامة اللغة وصحة دلالتها، وهناك آيات استشهد بها على بلاغة القول، وفصاحة البيان، وهنالك آيات استشهد بها على صحيح الأخبار وهكذا تتعدد الشواهد، وتكثر الآيات التي يتأكد بها كل غرض من الأغراض التي وفاها الكتاب الكريم حقها.
وفي العلماء من أشار إلى هذه المسألة، وكان رأيه مثل ما رأينا في عموم بلاغة القرآن وفصاحته، منهم (( الباقلاني ) )الذي يقول:
(( وقد تأملنا نظم القرآن، فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه على حد واحد في حسن النظم، وبديع التأليف والرصف، لا تفاوت فيه ولا انحطاط عن المنزلة العليا، ولا إسفاف رفيه إلى الرتبة الدنيا ) ).
وإذا أردنا أن نطبق تلك المزية التي بينها الباقلاني - على حد عدد من الآيات لوجدنا كل آية بعينها تصلح لأن تكون شاهدا على ما ذكره من سمات حسن النظم والتساوي في براعة التأليف، ولكن لذلك موضعه من هذه الدراسة، فلنمض مع الباقلاني إذ يقول: (( وكذلك قد تأملنا ما يتصرف إليه وجوه الخطاب من الآيات الطويلة والقصيرة فرأينا الإعجاز في جميعها على حد واحد لا يختلف. وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحد تفاوتًا بينًا، ويختلف اختلافا ًكثيرًا، ونظرنًا القرآن