فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت بل هو على نهاية البلاغة وغاية البراعة ... )) [1] .
وما ذهب إليه الباقلاني وغيره صحيح لا يقبل الجدل، وإن كان هنالك تفاوت أو اختلاف فليس محله النظم أو التعبير القرآني. وإنما موطنه في الأغراض والمقاصد، لأن هذه الأغراض، وتلك المقاصد خضم زاخر في الكتاب الكريم الذي وصف أحوال النفس الإنسانية وبين نظام الحياة وقواعد الأدب والسلوك، وأصول الإيمان بالله سبحانه، وملائكته وكتبه ورسله وكرر أصناف الثواب وأنواع العقاب، إلى غير ذلك من الأغراض المختلفة التي لا تحاول إحصاءها في هذا المجال وإنما نكتفي بالإشارة إلى بعضها وذلك اختلاف طبيعي كالاختلاف الذي يكون بين عمل أدبي في الحكمة، وعمل أدبي آخر في الفخر أو الرثاء أو في الوصف. أو غير تلك الأغراض التي تعرض للأديب، ولله المثل الأعلى في كل شيء.
وفي جملة من فند رأي القائلين بالتفاصيل ورده (( شمس الدين الخويبي ) )الذي نقل خلاصة رأيه (( بدر الدين الزركشي ) )في كتاب (( البرهان في علم القرآن ) )وأورد ما قاله: من أن بعض العلماء جوز أن يقال: بعض كلام الله أبلغ من بعض. وذلك لقصور نظر من ذهب إلى مثل هذا، وينبغي أن يعلم أن معنى قوله القائل: هذا الكلام أبلغ من هذا الكلام. أن هذا في موضعه له حسن ولطف، وذاك في موضعه له حسن ولطف، وهذا الحسن في موضعه أكمل من ذاك في موضعه، فإن من قال: إن {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) } أبلغ من {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} يجعل المقابلة بين ذكر الله، وذكر أبي لهب وبين التوحيد، والدعاء على الكافرين، وذلك غير صحيح. بل ينبغي أن يقال: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} دعاء عليه بالخسران، فهل توجد عبارة للدعاء بالخسران أحسن من هذه؟ وكذلك {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) } لا توجد عبارة تدل على الوحدانية أبلغ منها، فالعالم إذا نظر إلى {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) } في باب الدعاء والخسران، ونظر إلى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) } في باب التوحيد، لا يمكنه أن يقول: أحدهما أبلغ من الآخر، وهذا القيد يغفل عند بعض من لا يكون عنده علم البيان )) [2] .
وإذ قد اتضح لنا عموم بلاغة القرآن، وأن لا تفاوت بين آية في درجة البلاغة والفصاحة، وبديع النظم والتأليف، فما خصائص النظم في سورة الرعد؟ ذلك ما ستعرض له في هذا المقام.
(1) إعجاز القرآن للباقلاني ص 37, 38 ط الثالثة تحقيق أحمد صقر.
(2) انظر البرهان في علم القرآن للزركشي الجزء الأول ص 440 تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم الطبعة الثانية مطبعة الحلبي, والإتقان للسيوطي ص 156 الجزء الثاني الطبعة الثانية 1342 هـ المطبعة الأزهرية.