الصفحة 34 من 156

إذا شككت فتأمل هل تري لفظة منها بحيث لو أخذت من بين أخوتها وأفردت لأدت من الفصاحة ما تؤديه، وهي في مكانه من الآية؟

قل (( ابلعي ) )واعتبرها وحدها. من غير أن تنظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها، وكذلك اعتبر سائل ما يليها. وكيف بالشك في ذلك؟، ومعلوم أن مبدأ العظمة في أن نوديت الأرض، ثم أمرت، ثم كان النداء بـ (( يا ) )دون (( أي ) )نحو يا أيتها الأرض، ثم أمرت، ثم إضافة الماء إلى الكاف دون أن يقال: ابلعي الماء، ثم أن تبع نداء الأرض، وأمرها بما هو في شأنها. نداء السماء وأمرها كذلك بما يخصها، وثم أن قيل: (( وغيض الماء ) )فجاء الفعل مبنيًا للمفعول، وتلك الصيغة تدل على أنه لم يغض إلا بأمر آمر، وقدرة قادر ثم تأكيد ذلك وتقريره بقوله تعالى: (( وقضي الأمر ) )، ثم ذكر ما هو فائدة هذه الأمور وهو (( استوت على الجودي ) )، ثم إظهار السفينة قبل الذكر كما هو شرط الفخامة، والدلالة على عظم الشأن، ثم مقابلة (( قيل ) )في الخاتمة (( بقيل ) )في الفاتحة.

أفترى لشيء من هذه الخصائص التي تملؤك بالإعجاز روعة، وتحضرك عند تصورها هيبة تحيط بالنفس من أقطارها، تعلقًا باللفظ من حيث هو صوت مسموع، وحروف تتوالى في النطق، أم كل ذلك لما يبين معاني الألفاظ من الاتساق العجيب [1] .

وبمثل هذه الأسلوب التحليلي الرائع يصل عبدالقاهر إلى ما يريد من تقرير ما أسلف، من أن الشأن للنظم كاملا، ولا شيء من الاعتبار للفظ وحده قبل أن يدخل في هذا النظم المعجز، ولا شك أن تحليل عبدالقاهر للآية الكريمة تحليل خبير بدرجات الكلام هداه إليه فكر ثاقب. وبصيرة نيره. وذوق سليم.

ويشير الدكتور بدوي طبانة في كتابه (( البيان العربي ) )إلى أن عبدالقاهر في عرضه لهذه الآية - نسي فضل الألفاظ المختارة فنالك قبل هذا النظم وهذا التلاؤم الذي فصله، هذا الوضع للكلمات على هذا النسق العجيب تخير لكل لفظ، ولا شك أن هنالك ألفاظًا غير هذه الألفاظ كان يمكن أن تؤدي بها هذه المعاني، ولكن الفضل يظهر في التخير والانتقاء المبني على تفضيل لفظ على لفظ آخر [2] ).

ولو أردنا استقصار الأمثلة والشواهد التي ساقها عبدالقاهر من القرآن الكريم ومأثور كلام العرب لأفضي بنا ذلك إلى الاستطراد. وما ذكره من ذلك قار في موضعه من كتابيه: أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز يمكن لأي باحث الوقوف عليه.

والآن نتجاوز عبدالقاهر إلى غيره من العلماء ممن سبقه، وممن جاء بعده ورأي الإعجاز بالنظم.

لعل من أقدم القائلين بالإعجاز بالنظم (( أبو عثمان عمر بن بحر الجاحظ ) ) (ت 255 هـ) الذي ألف كتابًا عن إعجاز القرآن في نظمه، غير أني لم أجد هذا الكتاب، وكل ما يذكره عنه الباحثون (( اسمه

(1) انظر دلائل الإعجاز ص 32, 33 طبعة المراغي.

(2) انظر البيان العربي للدكتور بدوي طبانة س 227 الطبعة الرابعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت