مختصة برتبة في الفصاحة معجزة، وأنه باعتبار الأمرين: الطريقة الفذة في النظم، والاختصاص برتبة الفصاحة يكون الإعجاز [1] .
وما أكثر العلماء الذي قالوا بالإعجاز بالنظم كابن الزملكاني والزركشي حتى السكاكي صاحب العلوم المنطقية والعقلية، ومن بينهم الرازي والألوسي في المحدثين، والرافعي، ومحمد دراز، وسيد قطب، في المعاصرين وما قالوه في هذا إضمار قار في مؤلفاتهم يمكن لأي باحث الرجوع إليه.
وبعد أن عرضنا لطائفة من أقوال أولئك العلماء حول الإعجاز بالنظم يجدر بنا أن نلقي على ما قالوه نظرة سريعة فاحصة.
باستعراض أقوال أولئك الباحثين في الإعجاز بالنظم نري طائفة منهم قد اتجهت وجهة واحدة، ولخصت وجه الإعجاز بالنظم على نحو ما استقر عليه رأي عبدالقاهر الجرجاني.
ونرى طائفة أخرى صاغت هذا الوجه ألوانًا وصورًا بلاغية، وعملت جاهده على سرد الأدلة، والاستشهاد بالآيات القرآنية ولم يأتي بجديد حول ما أعادته كرة أخرى إلا ما كان من ابن أبي الإصبع فقد ذكر أنه استخرج من قول الله تعالى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ} نحوًا من عشرين فنًا من البديع لم يسبقه أحد إلى استخراجها. إذ يقول في كتابه (( بدائع القرآن ) ): وما رأيت ولا رويت في الكلام .. كآية من كتاب الله تعالى استخرجت منها أحدًا وعشرين ضربًا من البديع وعددها سبع عشرة لفظة.
وطائفة ثالثة اكتفت بسرد آراء السابقين، وحتى في الكثير من شواهدهم. كما مما يسترعي في النظر. أن هؤلاء الأعلام في جملة أقوالهم حول الإعجاز بالنظم، ولم يتجاوزا به حد اللفظ التركيب، إلا ما كان عبدالقاهر الجرجاني، والرماني. فقد نبها على حسن تأليف الحروف المتلائمة وإن ذلك مدرك بالحس، وزاد عبدالقاهر في إدراك أسرار الإعجاز بالنظم: دعامة الذوق السليم.
كما أن من بينهم من راح يزجي المقارنات، والموازنات بين كلام البشر، وكلام الله جل وعلا. كما صنع ذلك الباقلاني في موازنته بين لامية امرئ القيس وتحليلها، وبين بعض من الآيات الكريمات.
وعلى الرغم من أنه لا يقصد بهذه الموازنة سوي الوصول إلى القول بالإعجاز بالنظم فما أغناه عن هذه الموازنة لارتفاع المفاضلة بين كلام الله سبحانه، وكلام البشر، ولأن القرآن في الذروة العليا من كل كلام فهو من عند الله وكفي. ومثله صنيع الدكتور أحمد أحمد بدوي في كتابه من (( بلاغة القرآن ) ) [2] .
(1) انظر الإعجاز البياني لبنت الشاطئ ص 95 والمغني لعبد الجبار الجزء السادس عشر ص 316 وما بعدها مطبعة دار الكتب بمصر.
(2) انظر من بلاغة القرآن لأحمد أحمد بدوي ص 388 الطبعة الثانية مطبعة نهضة مصر.