الصفحة 38 من 156

ذلك بالتفسير والتحليل. فلنقف معه على هذا الشاهد العظيم من سورة غافر، وهو يعرض لنظم الآية الكريمة:

{فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14) رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16) } [1] ).

قال الباقلاني: (( قف على هذه الدلالة، وفكر فيها، ورجع نفسك في مراعاة معاني هذه الصفات العالية، والكلمات السامية، والحكم البالغة والمعاني الشريفة، تعلم ورودها عن الإلهية، ودلالته على الربوبية وتتحقق أن الخطب المنقولة عن الخطباء، والأخبار المأثورة عنهم في كلماتهم الفصيحة قد باينته الآية الكريمة.

فأي خاطر يتشوق إلى أن يقول:

{يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ}

وأي لفظ يدرك هذا المضمار؟ وأي حكيم يهتدي إلى ما لهذا من الغور، وأي فصيح يهتد إلى هذا النظم؟

ثم استقري الآية إلى آخرها. واعتبر كلماتها. وراع بعدها قوله تعالى:

{الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} .

من يقدر على تأليف هذه الكلمات الثلاث. على قربها. وعلى خفتها في النظم وموقعها من القلب ... [2] ).

وبنحو هذا الأسلوب التحليلي، واستقصاء وجوه الإعجاز بالنظم عند الباقلاني يتضح رأيه فيه ولصاحب المغني القاضي عبدالجبار الهمذاني المعتزلي رأي في الإعجاز بالنظم، ومذهبه في الاعتزال لا يمنعنا من الوقوف على رأيه في الإعجاز بالنظم. فما قاله في هذا المضمار جدير بالإشارة، والغالب على من سبق ذكرهم من العلماء الأخذ بمذهب المعتزلة، وعذري في تتبع أقوالهم في الإعجاز بالنظم أنهم فرسان هذا الميدان دون سواهم.

ألف عبدالجبار كتابه (( المغني ) )وخصص الجزء السادس عشر منه للكلام في إعجاز القرآن، وبيان سره في ربط العبارات، واختصاصه برتبة في الفصاحة، وللرد على منكري الإعجاز على طريقته المتكلمين، وخلاصة رأيه في الإعجاز بالنظم (( أن القرآن الكريم جاء بطريقة فذة في النظم، والتأليف

(1) سورة غافر آية 14, 15, 16.

(2) انظر إعجاز القرآن الباقلاني ص 51 وما بعد تحقيق أحمد صقر مطبعة دار المعارف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت